الشيخ محمد الصادقي
188
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
إنه لم يكن في أمر يعقوب أن يذهبوا إلى العزيز إلّا ضمن ما يتحسس عن بنيامين عنده ، فضلا عن أن يكتب إليه بكتاب يمس من كرامة النبوة والإيمان كما يهرفه المحرّفون الخارفون ، وفضلا عن أن يطلبوا إليه تصدقا عليهم شكوى إليه من الضر الذي مسهم وأهليهم ، وهم في هذا اللقاء لم يطلبوا إليه تسريحا لبن يامين لا ظاهرا ولا تصريحا ، وإنما المطلوب أولا وأخيرا إيفاء الكيل ببضاعة مزجاة وتصدقا زائدا على الإيفاء ، اللّهم إلّا أن تشمله « تصدق » وليس بذلك البعيد ، ولكنه - إذا - مطلوب ضمني في آخر المطاف ، وليكن أولا لأنه أولى من إيفاء الكيل . وعلّهم لأنهم في هذه الجيئة الفجيعة لا يرجون من العزيز تعزيزهم لسابق السرقة من أحدهم فيما يزعمون ، لا ينطلق ألسنتهم لإطلاق سراح أخيهم صراحا ، فعلّهم يجربونه بتقديم بيان حالهم وأهليهم ، فإذا عرفوا انعطافا طلبوا إليه طلبهم الأصيل ، وقد تطلبوه في « وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا » . دخلوا عليه للمرة الثالثة ، ولكنها مرّة فالسة كالسة ، وقد أضرت بهم المجاعة ، ومستهم وأهليهم الضر والضراوة ، ونفدت منهم كل بضاعة إلّا مزجاة مقلعة ، يدخلون منكسرين منحسرين ما لم يعهد لهم من ذي قبل وعند ذلك تمت كلمة الربوبية : « وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ » في واجهته أمام الإخوة حيث ذلوا وانكسروا أمامه . و « بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ » كأنها الكاسدة غير الطائلة من متاع قليل رثّ ، لأنها البقية الباقية مما يملكون ، حيث المزجاة من الإزجاء الإقلاع قلة إلى قلة كما أن « اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ » فالسحاب مزجاة مقلعة من مختلف الأبخرة الجوية ، قليلة قليلة ، فإذا ألفت كثرت ، مهما بان البون بين مزجاة ومزجاة ! فبضاعة مزجاة من هؤلاء الذين مسهم وأهلهم الضرّ ليست إلّا