الشيخ محمد الصادقي

183

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

وما هو موقف الفاء في « فَهُوَ كَظِيمٌ » ؟ علّه كعلة ل « ابْيَضَّتْ عَيْناهُ » فالحزن الظاهر المتظاهر يخفف عبء الباطن المتكاثر ، وأما إذا كان مكظوما لا يظهر ، فهو صادر عن القلب ووارد في القلب ، فيحرق القلب ويؤثر على القالب ، ولماذا « عيناه » ؟ طبعا لمزيد البكاء ، وطبعا ابيضّ سائر شعره مع عينيه ، واحدودب ظهره ، وكل ذلك لعظم الحزن وأنه كظيم لا يظهر حزنه . قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) . « تفتؤ » هنا منفي بأداته المحذوف ( لا ) ، المدلول عليها ، بترك اللّام ونون التأكيد في جوابه ، فإنهما لزامان الجواب القسم في الإثبات . « قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا » : لا تنقطع « تَذْكُرُ يُوسُفَ » آسفا حزينا كئيبا ، كلمة حانقة خانقة مستنكرة ، ظاهرها فيه الرحمة تعطفا على أبيهم ، وباطنها من قبله العذاب تنديدا شديدا بأبيهم ، كيف يأسى على يوسف الفقيد منذ سنين ؟ تدأب في ذكر يوسف « حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً » : مشرفا على الهلاك كما هلكت عيناك « أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ » والحرض ما لا يعتد به ولا خير فيه ، وهذه هلكة الإنسان في كيانه قبل هلاكه بموته ، فلا هو حي كالأحياء ، ولا ميت كالأموات ! وهكذا يتظاهرون لأبيهم في مظهر الناصح المشفق ألّا يتذوّب بذكر يوسف الفقيد حيث ذهب دون عودة ، ولكنه يرد عليهم ردا حازما حاسما جازما : أنه لا يشكو إليهم ما كان منهم ولا يجزع لديهم : قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) .