الشيخ محمد الصادقي
174
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« ايئسوا » وعلّه تطلّب الإياس ، وما أدقه تعبيرا وألطفه على حالتهم الراجية ، المتعمقة في قلوبهم ، المستكنة في أفئدتهم ، لحدّ ما كان يخلد بخلدهم يأس عن إحسان الصديق ، ولكنه قطع كل آمالهم بكلمة تهديد : « إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ » حيث تهدّدهم فتحدد موقفه منهم مما آيسهم ، وكأنهم حينذاك تطلّبوا الإياس من أنفسهم رغم ما كانوا يظنون ، كما وخوفهم ، ولذلك « خَلَصُوا نَجِيًّا » . و « نجيا » تستعمل جمعا كما هنا ، ومفردا : « وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا » ( 19 : 52 ) وهي واوية تعني النجوى ، ويائية تعني النجاة ، وقد تعنيهما هنا « نجيا » لمكان « خلصوا » فالثانية النجاة ، وحيث « قالَ كَبِيرُهُمْ . . » فالأولى النجوى ، ولو عنت نجيّ النجوى فالصيغة الفصحى - إذا - النجوى نفسها كما : « وَإِذْ هُمْ نَجْوى » ( 17 : 47 ) . « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ » من يوسف أن يسمعهم ومن أخيه أن يرده إليهم « خلصوا » من حضرته على تخوف أن يلحقهم مزيد مما لحقهم « نجيا » نجاة من ملاحقته ، ونجوى بينهم في أمرهم كيلا يسمعهم هؤلاء فيما يتناجون ، ومن نجواهم « قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ » ؟ أترى لماذا « أباكم - عليكم - فرطتم » تغاضيا عن نفسه وقد كان معهم فيما كان منهم وهو كبيرهم ؟ علّه إشارة إلى أن كبيرهم هذا ما كان ليرضى عما فعلوا ، ويشهد له أنه حملهم على أن يجعلوه في غيابت الجب ، فلا يقتلوه ، ولا يطرحوه أرضا ولا يلقوه في غيابت الجب ، بل يجعلوه « يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ » . فهو مهما كان يشاركهم بعض الشيء في نفي الصدّيق ، كان أخفهم اجتراما بحقه وأثقلهم احتراما له ، يحاول في تآمرهم عليه ، الحفاظ على