الشيخ محمد الصادقي
136
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
نرى في طول الخط تتحول أسباب ذله إلى عزه برحمة خفية إلهية تجلت آخر أمره ، ! فقد حسده إخوته فجعلوه في غيابت الجب ليغيب عن ذلك الإكرام والحب ، فأخذته السيارة ليشروه للعزيز ، فأكرم اللّه مثواه في بيت العزيز ، وكادت به النسوة وامرأة العزيز لإدخاله في صغار الفجور أو « لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ » فأصبح عزيزا في السجن ، يؤوّل الرويّ ، وقد جعله اللّه ذريعة لتخلّصه عن التهمة وخلاصه عن السجن ، لحدّ يثني الملك تطلبّه إليه ويستخلصه لنفسه ، ويجعله على خزائن الأرض ، فيتوارى في ظل عزته العزيز الذي أذله ، وكل عزيز . لقد مكن اللّه ليوسف أوّل مرة حين دخل بيت العزيز حيث قال لامرأته « أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 31 ) « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ » ( 22 ) . وكأنه آنذاك - فقط - تمكين الخلاص عن غيابت الجب إلى أرض البلاط ، والتمكين العلمي والرسالي ولمّا يحن حين تمكين لسلطته الزمنية تطبيقا عزيزا لرسالته . ولكنما الآن يمكّنه بعد ذلك التمكين في الأرض ، أرض المملكة وحواليها ، لحد يتبوأ منها حيث يشاء ، دون مشية فوقية تحده فيما يشاء ، إذ أصبح مطلق الاختيار في كل أرض المملكة ، كأن له السلطة العليا ، ولم يكن الملك لو كان له كون - إذ ذاك - أو كيان ، إلّا صورة فاضية وسلطة خاوية ليست له إرادة دون إرادته ولا مشيئة فوق مشيئته ! . لقد تعاضدت أعضاد الدولة والملة بأسباب قاطعة وتظاهرت وتواترت لخفضه فلم يزدادوه إلّا عزا ، ولم يكن إلا ما أراده اللّه « وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » .