الشيخ محمد الصادقي
365
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
أم « مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ » : « إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ . . » . إذا فليس احتمال التأثير في باب الأمر والنهي مما يحتمله هذان الفرضان الإلهيان ، وإنما « عذرا » : « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » أو « نذرا » : « وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » وهنا « ربكم » في موقف التنديد بهؤلاء الذين تركوا واجب التربية بذلك النهي وانحازوا إلى النهي عن ذلك النهي . ثم من عظيم الفائدة فيمن تعلم أنه لا يتأثر بالفعل ، أنه لعلّه يتأثر بتكرار العظة وتواترها ، أم - ولأقل تقدير - تكون العظة حجة عليه كيلا يقول الذي لا يتأثر : إن وعظت تأثرت ، أو إن كررت لاتعظت ، فتواتر العظة البالغة - إذا - حجة بالغة على طول الخط ، وقد تؤثر في قوم لدّ : « لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا » ( 19 : 97 ) - « لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ » ( 36 : 6 ) - « لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » ( 32 : 3 ) فالنهي فرض رباني نؤديه على أية حال لنبلغ إلى ربنا عذرنا بما أدينا من واجبنا ، ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية القاسية الجاسية فيثير فيها حراس التقوى بعد مراس الطغوى . ذلك ، فكل من « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » و « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » موجب بنفسه واجب الأمر والنهي على أية حال ، واشتراط احتمال التأثير في فرض الأمر والنهي لا يعدو الخيال مهما أفتى به جموع من هؤلاء الذين لا تهمهم النصوص القرآنية ، ماشين وراء الشهرات والإجماعات مهما خالفت نصوص الكتاب ! ، ولا يفلت عن واجب الأمر والنهي إلا في ظروف الحفاظ على الأهم القاطع الناصع ، وما سواها على سواء في فرضهما ، سواء أيقن بالتأثير ، أم ظن أو شك أو احتمل أو لم يحتمل ، فإن الواقع أوسع من احتماله ، وعلى فرض العلم بالواقع فهما حجة على الخاطئين لكيلا يقولوا علنا نتأثر بكرور العظة البالغة . والقول : إن الجمع بين الأمرين هو الذي يفرض النهي ، دون كل واحد منهما ، مردود بأن « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » - إذا - كاف ، فإن النهي عنده عذر كاف ، فليكن كلّ منهما مستقلا في فرض النهي ، والأصل العام هو