الشيخ محمد الصادقي

366

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » فيما لا يؤثر أو نعلم ألا تأثير ، إذ لا نحيط علما بواقع الأمر . ثم « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » حين نحتمل التأثير أم أثر مهما نعلم ألا تأثير . ومما يبين استقلال كل واحد من الأمرين « عُذْراً أَوْ نُذْراً » ف « عذرا » هو « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » و « نذرا » هو « لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » . ومما يبين أن ظاهر الحال ما كان يشير إلى احتمال التأثير قول هؤلاء لهم : « لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً » فذلك التعبير القاطع يدل على أنه لم يكن هناك دور حاضر لاحتمال التأثير . فإجابة عن حال عدم الاحتمال « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » وأخرى مشيرة إلى واقع الحال « وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » فلا يطغون ، فلا دور هنا لترجي التقى إلّا فيما وراء الاحتمال الحاضر ، رعاية الواقع الذي هو أوسع من ظاهر الحال . ومن عظيم فرض النهي عن السوء فيما لا يحتمل التأثير أن اللّه لم ينج من عذابه البئيس إلّا الذين ينهون عن السوء ، حيث شمل هؤلاء الذين لم ينهوا عن السوء هناك بل ونهوا الناهين عن السوء كأنهم أتوا بسوء ! . وهكذا الساكتين عن كلا النهيين حيث يختص الإنجاء بالذين ينهون عن السوء : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) . فلما لم يجد النصح ولم تنفع العظة وسدر السادرون في غيهم حقت كلمة العذاب عليهم وتحققت نذره ، فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء ثم الآخرون أخذهم عذاب بئيس بما كانوا يفسقون ، اقترافا للفسق الأصيل ، أم تركا للنهي عنه ، فضلا عن نهي الناهين عن السوء « لم تعظون » ؟ . ذلك ، ومما يلمح له ذلك العذاب البئيس أن الجهل بذلك الحكم غير معذور لأنه جهل مقصر من هؤلاء الذين عاشوا رسالة اللّه المذكرة إياهم بواجب الأمر والنهي وحدودهما ، أم أن العذاب موجه إلى الذين ظلوا على جهلهم جهالة بواجب النهي فلم ينهوا ، وهذا أولى وأحرى .