الشيخ محمد الصادقي

270

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

القصد هنا هو ألوهية المعبودية تقربا بالآلهة إلى اللّه زلفى كما يقولها سائر المشركين : « ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » فأجيبوا ب « إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » المقاييس والموازين أن تعبدوا غير من خلقكم وفضّلكم على العالمين ! . فعملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى ( عليه السّلام ) منذ الآن بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزهم البحر ، وهذه النفوس البئيسة التعيسة ستواجه الحرية الحقة بكل رواسب الذلة والمسكنة ، وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية بكل خلفياتها ، بل وأنحس منها ، فإن سحرة فرعون آمنوا بعد ما رأوا آية ثعبان العصا واليد البيضاء وهم لم يؤمنوا بعد ما رأوا كل الآيات الموسوية وهي بضع عشرة آية ، اللّهم إلا قليل منهم وفي لرعاية الحق . وها هم ما أن يجاوزا البحر حتى تقع أبصارهم على قوم يعكفون على أصنام لهم ، وإذا هم يطلبون طلبهم ، ويغلبون أمام الأصنام غلبهم ، حيث يطلبون من موسى رسول التوحيد من رب العالمين أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة . . طبيعة مخلخلة العزيمة ، سريعة الهزيمة ، ضعيفة الروح ، قوية الشكيمة ، ما تكاد تهتدي حتى تضل ، وما ظلت ترتفع وتزيد حتى تنحط وتقل ، فأين الدعوة التوحيدية الموسوية قرابة عشرين سنة أم تزيد ، فقد نسوا آياته الرسولية والرسالية ، وحتى التي أنجتهم في اللحظة الأخيرة إذ جاوز بهم البحر بعد ما أغرق فرعون وملأه ! ولو أنهم اتخذوا لأنفسهم إلها لكان أقل غرابة وعتامة من أن يطلبوا إلى رسول التوحيد أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة ! وما كان جوابهم المختصر المحتصر عجالة إلّا « قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ » تجهلون كافة المعالم الإنسانية والإيمانية ، ف « تجهلون » من الجهالة ضد المعرفة ، ومن الحماقة ضد العقل ، ومن البلاهة ضد الشعور ، فما ذلك التقوّل التغوّل إلّا من أحمق الحماقة وأعمق الجهالة والبلاهة إلى غير حدود ! . ذلك وحق يقال إنهم أحمق وأعمق جهالة من آل فرعون المشركين إذ صمدوا على باطلهم ولم يهووا ولا مرة واحدة أن يوحدوا اللّه ، وهم أولاء