الشيخ محمد الصادقي

196

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ثم « هود » يذكر في أربع مواضع بثلاث سور ، وقومه « عاد » في أربع وعشرين موضعا و ( 18 ) سورة ، وصيغة الدعوة هنا وصبغتها هي نفس الصيغة والصبغة لنوح والذين أرسلوا من بعده إلى خاتم المرسلين ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) والجواب والإجابة هو نفس الإجابة والجواب ، فالرسل برسالاتهم هم سلسلة موصولة على مدار الزمن كما المرسل إليهم ، وكأنهم في الأكثرية الساحقة تواصوا في تكذيبهم ( عليهم السّلام ) : « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ » ( 51 : 53 ) ثم وقليل هؤلاء « الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ » ( 90 : 17 ) . هنالك في نوح « قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ » وهم كل الملإ ، وهنا في هود « قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ » فهم قسم من الملأ دون الكل ، ثم هناك في نوح : « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » وهنا في هود « إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ » والجواب صيغة واحدة تسلب الضلالة والسفاهة عن ساحة الرسالة القدسية دون إرجاعها إلى هؤلاء الضّلّال والسفهاء ، حيث الدعوة الصالحة تتطلب تليّنا وجاذبية حتى تجد مسارح لتصديقها ومنافذ إلى تسريبها . ذلك وعل فارق التعبير بين مواجة قوم نوح ( عليه السّلام ) إياه : « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » وقوم هود ( عليه السّلام ) ب « إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ » علّه لأن كلّ الملأ من قوم نوح عارضوه اجتثاثا لدعوته من أصلها ، وانها « فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » جمعا بين السفاهة والجنة والكذب ، ولكن قوم هود لم يعارضه منهم إلّا « الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ » دون كل الملأ ، ولذلك خف التعبير هنا عما هناك حيث اكتفي فيه ب « إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ » . وعاد هم قوم سكنوا أرض اليمن بالأحقاف وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضر موت : « وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ » ( 46 : 21 ) وقد يأتي نباءهم الفصل في « الأحقاف » . وهنا زيادة لهم بذكرى قوم نوح ليذكروا : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ » بما غرقوا فجعلكم خلائف من بعدهم تخلفونهم في هذه