الشيخ محمد الصادقي

176

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

العرش المنسوب إلى اللّه ، المستوى عليه اللّه ، هو بطبيعة حال هذه النسبة ليس من العروش المادية التي يتكئ عليها أصحابها السلاطين ، إنما هو إشارة إلى فعلية السلطة الربانية خلقا وتقديرا وتدبيرا ، فقد كان عرشه هذا على الماء قبل خلق الأرض والسماء : « هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ » ( 7 : 11 ) فلأن « الماء » هنا هو أوّل ما خلق اللّه - كما يأتي فيه قول فصل على ضوء آيته - ثم بعد خلق السماوات والأرض استوى على عرشهما ، ومن ثم بعد خرابهما يستوي على عرش القيامة الكبرى ، فهو - إذا - ذو العرش في هذه المراحل الثلاث واقعيا ، وقد كان ذا العرش قبل أن يخلق خلقا ، بمعنى حيطته العلمية والقيومية غير الفعلية ، على ما سوف يخلقه ، فإنه عالم إذ لا معلوم وخالق إذ لا مخلوق ، وقادر إذ لا مقدور ، بمعنى انه تعالى لا تحدث له سلطة بعد ما لم تكن ، وإنما تظهر سلطته على ما يحدث بعد كأمنها في علمه وحياته وقدرته ، حيث الصفات الفعلية كلها منشآت من الصفات الذاتية . ولأن الخلق والتقدير هما مخلوقان ، فالحيطة العلمية والقيومية عليهما أيضا مخلوقتان ، إذا فالعرش كسائر الخلق خلق من خلق اللّه في كيانه الفعلي ، كما أنه من صفاته الذاتية في كيانه الشأني « 1 » ، فقد يصح القول

--> ( 1 ) . في التوحيد باسناده عن سلمان الفارسي فيما أجاب به علي ( عليه السّلام ) الجاثليق فقال علي ( عليه السّلام ) : إن الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما تظن كهيئة السرير ولكنه شيء محدود مخلوق مدبر وربك حامله لا أنه عليه ككون الشيء على الشيء . . » أقول : لأن الخلق والتدبير محدودان فالعرش الذي فيه أزمته أمور الخلق محدود بنفس الحدود ، ولكن صفات اللّه الذاتية كذاته غير محدودة . و في الكافي عن البرقي رفعه قال : سأل الجاثليق عليا ( عليه السّلام ) فقال : أخبرني عن اللّه عزّ وجلّ يحمل العرش أو العرش يحمله ؟ فقال ( عليه السّلام ) : اللّه عزّ وجلّ حامل العرش والسماوات والأرض وما فيهما وما بينهما وذلك قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً » - قال : فأخبرني عن قوله : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، فكيف ذاك وقلت : انه -