الشيخ محمد الصادقي

143

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

والقول إن « فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 50 : 22 ) تحدد كل الأبصار في ذلك اليوم ، مردود بأنه حديد في إبصار أعمال كلّ حيث « لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ( 50 : 22 ) ، كما القول إن « يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ » ( 55 : ) 41 ) تعمم تلك المعرفة لأهل الحشر ؟ فان « فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ » تقرر فاعل المعرفة هذه « بسيماهم » أنه الأخذ الرباني بالنواصي والأقدام . فليس هناك مجال لهذه المعرفة الشاملة كل أهل الجمع إلّا لأقرب المقربين إلى اللّه . 4 ثم « وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ » برهان قاطع لا مرد له على أنهم هم الأعلون في المحشر المعشر ، حيث يحملون - هم - سلام اللّه إلى أهل اللّه ، لمكان « سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ » ولا يحمل سلام الرب الرحيم إلى عباده الصالحين إلا أصلح الصالحين الذين يمثلون أمره ويحملون القمة العليا من رسالته الربانية ، ولو أنهم من المرجوين لأمر اللّه إذ خلطوا عملا صالحا وآخر شيئا ، كانت حالهم تشغلهم عمن سواهم ! . وأما « لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ » فليست لتعني رجال الأعراف ، حيث كونهم على الأعراف يعرفنا أنهم لمّا يدخلوها ، فلا مبرر - إذا - لذلك التكرار ، مع أن أقرب المرجعين المحتملين لضمير الجمع هم « أَصْحابَ الْجَنَّةِ » كما « ادْخُلُوا الْجَنَّةَ » الآتية صارحة صارخة انهم « لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ » . كما وأن « رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » لا تدل على أنهم من الأذنين ، فإنها دعاء لأصلح الصالحين إلى من دونهم من سائر الصالحين . وقد تعني « مع » هنا معية المكان ، ألا توقفنا ربّنا في هذا الموقف صرفا لأبصارنا تلقاء أصحاب النار إلا قدر واجب الحوار وتقرير المصير ، ومعية الشفاعة منا لمن لا يستحقونها ، ونحن غير مأذونين فيها ، وأخيرا معيتهم في دخول النار تخذلا وتذللا لأنفسهم أمام اللّه كأنهم لا يستحقون الجنة فإنها قضية فضل اللّه ورحمته وليست قضية عدله .