الغزالي
97
إحياء علوم الدين
الباب الأوّل في الترغيب في النكاح والترغيب عنه اعلم أن العلماء قد اختلفوا في فضل النكاح ، فبالغ بعضهم فيه حتى زعم أنه أفضل من التخلي لعبادة الله ، واعترف آخرون بفضله ، ولكن قدموا عليه التخلي لعبادة الله ، مهما لم تتق النفس إلى النكاح توقانا يشوش الحال ، ويدعو إلى الوقاع . وقال آخرون الأفضل تركه في زماننا هذا ، وقد كان له فضيلة من قبل ، إذ لم تكن الأكساب محظورة ، وأخلاق النساء مذمومة ، ولا ينكشف الحق فيه إلا بأن يقدم أولا ما ورد من الأخبار والآثار في الترغيب فيه ، والترغيب عنه ، ثم نشرح فوائد النكاح وغوائله ، حتى يتضح منها فضيلة النكاح وتركه في حق كل من سلم من غوائله أو لم يسلم منها . الترغيب في النكاح أما من الآيات : فقد قال الله تعالى : * ( وأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ « 1 » وهذا أمر . وقال تعالى * ( فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ « 2 » وهذا منع من العضل ، ونهى عنه . وقال تعالى في وصف الرسل ومدحهم * ( ولَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا من قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وذُرِّيَّةً « 3 » فذكر ذلك في معرض الامتنان وإظهار الفضل ، ومدح أولياءه بسؤال ذلك في الدعاء فقال * ( والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ « 4 » الآية ويقال إن الله تعالى لم بذكر في كتابه من الأنبياء الا المتأهلين ، فقالوا ان يحيى صلَّى الله عليه وسلم قد تزوج ولم يجامع ، قيل انما فعل ذلك لنيل الفضل وإقامة السنة ، وقيل لغض البصر . وأما عيسى عليه السلام فإنه سينكح إذا نزل الأرض ويولد له وأما الأخبار : فقوله صلَّى الله عليه وسلم « النّكاح سنّتى فمن رغب عن سنّتى فقد رغب عنّى » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « النّكاح سنّتى فمن أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتى »
--> « 1 » النوري : 23 « 2 » البقرة : 232 « 3 » الرعد : 38 « 4 » الفرقان : 74