الغزالي

82

إحياء علوم الدين

أن الداعي له يتقلد منة ، ويرى ذلك شرفا وذخرا لنفسه في الدنيا والآخرة . فهذا يختلف باختلاف الحال . فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام ، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا [ 1 ] ، فليس من السّنّة إجابته . بل الأولى التعلل . ولذلك قال بعض الصوفية : لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك ، وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده ، ويرى لك الفضل عليه في قبول تلك الوديعة منه . وقال سرى السقطي رحمه الله : آه على لقمة ليس على الله فيها تبعة ، ولا لمخلوق فيها منة . فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك ، فلا ينبغي أن يرد . وقال أبو تراب النخشبي رحمة الله عليه ، عرض على طعام فامتنعت ، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوما ، فعلمت أنه عقوبته . وقيل لمعروف الكرخي رضي الله عنه ، كل من دعاك تمر إليه ؟ فقال أنا ضيف أنزل حيث أنزلوني الثاني : أنه لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة ، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه . بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع . لأجل ذلك يقال في التوراة أو بعض الكتب : سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيع جنازة ، سر ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله . وانما قدم إجابة الدعوة والزيارة ، لأن فيه قضاء حق الحي ، فهو أولى من الميت . وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] ( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ) وهو موضع على أميال من المدينة ، أفطر فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] في رمضان لمّا بلغه وقصر عنده في سفره [ 4 ]