الغزالي

118

إحياء علوم الدين

ليوقف عند الميزان وله من الحسنات أمثال الجبال فيسأل عن رعاية عائلته والقيام بهم وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، حتّى يستغرق بتلك المطالبات كل أعماله فلا تبقى له حسنة ، فتنادي الملائكة : هذا الَّذي أكل عياله حسناته في الدّنيا ، وارتهن اليوم بأعماله « ويقال إن أول ما يتعلق بالرجل في القيامة أهله وولده ، فيوقفونه بين يدي الله تعالى ، ويقولون يا ربنا خذ لنا بحقنا منه ، فإنه ما علمنا ما نجهل ، وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم . فيقتص لهم منه ، وقال بعض السلف : إذا أراد الله بعبد شرا ، سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه ، يعنى العيال . وقال عليه الصلاة والسلام [ 1 ] » لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله « فهذه آفة عامة ، قل من يتخلص منها ، الا من له مال موروث أو مكتسب من حلال يفي به وبأهله ، وكان له من القناعة ما يمنعه من الزيادة ، فان ذاك يتخلص من هذه الآفة . أو من هو محترف ومقتدر على كسب حلال من المباحات ، باحتطاب أو اصطياد . أو كان في صناعة لا تتعلق بالسلاطين ، ويقدر على أن يعامل به أهل الخير . ومن ظاهره السلامة ، وغالب ماله الحلال . وقال ابن سالم رحمه الله وقد سئل عن التزويج فقال : هو أفضل في زماننا هذا لمن أدركه شبق غالب مثل الحمار يرى الأتان فلا ينتهى عنها بالضرب ، ولا يملك نفسه فان ملك نفسه فتركه أولى الآفة الثانية : القصور عن القيام بحقهن ، والصبر على أخلاقهن ، واحتمال الأذى منهن وهذه دون الأولى في العموم فان القدرة على هذا أيسر من القدرة على الأولى ، وتحسين الخلق مع النساء ، والقيام بحظوظهن أهون من طلب الحلال ، وفي هذا أيضا خطر ، لأنه راع ومسئول عن رعيته . وقال عليه الصلاة والسلام [ 2 ] « كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول » وروى أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الهارب الآبق لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ، ومن يقصر عن القيام بحقهن ، وان كان حاضرا ، فهو بمنزلة هارب ، فقد قال تعالى