الغزالي

119

إحياء علوم الدين

« قوا أنفسكم وأهليكم نارا » أمرنا أن نقيهم النار كما نقى أنفسنا ، والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه ، وإذا تزوج تضاعف عليه الحق ، وانضافت إلى نفسه نفس أخرى ، والنفس أمارة بالسوء ، ان كثرت كثر الامر بالسوء ، غالبا ولذاك اعتذر بعضهم من التزويج ، وقال أنا مبتلى بنفسي وكيف أضيف إليها نفسا أخرى ، كما قيل لن يسع الفأرة جحرها علقت المكنس في دبرها وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم رحمه الله وقال : لا أغر امرأة بنفسي ، ولا حاجة لي فيهن أي من القيام بحقهن وتحصينهن وامتاعهن وأنا عاجز عنه . وكذلك اعتذر بشر وقال يمنعني من النكاح قوله تعالى * ( ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ « 1 » وكان يقول : لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أصير جلادا على الجسر ، ورؤي سفيان بن عيينة رحمه الله على باب السلطان ، فقيل له ما هذا موقفك ، فقال : وهل رأيت ذا عيال أفلح ؟ وكان سفيان يقول يا حبذا العزبة والمفتاح ومسكن تخرقه الرياح لا صخب فيه ولا صياح فهذه آفة عامة أيضا ، وان كانت دون عموم الأولى ، لا يسلم منها الا حكيم عاقل ، حسن الأخلاق ، بصير بعادات النساء ، صبور على لسانهن ، وقاف عن اتباع شهواتهن ، حريص على الوفاء بحقهن ، يتغافل عن زللهن ، ويداري بعقله أخلاقهن . والأغلب على الناس السفه والفظاظة والحدة والطيش ، وسوء الخلق وعدم الإنصاف مع طلب تمام الإنصاف . ومثل هذا يزداد بالنكاح فسادا من هذا الوجه لا محالة ، فالوحدة أسلم له . الآفة الثالثة : وهي دون الأولى والثانية ، أن يكون الأهل والولد شاغلا له عن الله تعالى وجاذبا له إلى طلب الدنيا ، وحسن تدبير المعيشة للأولاد ، بكثرة جمع المال وادخاره لهم ، وطلب التفاخر والتكاثر بهم . وكل ما شغل عن الله من أهل ومال وولد فهو مشئوم على صاحبه ، ولست أعنى بهذا أن يدعو إلى محظور ، فان ذلك مما اندرج تحت الآفة الأولى والثانية ، بل أن يدعوه إلى التنعم بالمباح ، بل الاغراق في ملاعبة النساء ومؤانستهن ، والا معان في التمتع بهن ، ويثور من النكاح أنواع من الشواغل من هذا الجنس ، تستغرق القلب ، فينقضي الليل والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها . ولذلك قال

--> « 1 » التحريم : 6