الشيخ محمد الصادقي

146

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

نلمس فيها عملا جاهدا في محو ملامح الطابع الجاهلي الذي منه انبثقت مجموعة مؤمنة بهذا القرآن ، تطهيرا له من رواسب الجاهلية واستجاشة للدفاع عن كينونة الإنسان المميزة ، وتعريفا عريقا عريفا بأعداء ، الكتلة المؤمنة المتربصين بها كل دوائر السوء ، والمتميّعين فيها من المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، كشفا لحيلهم ضدها وبينا لفساد تصوراتهم ، وسنّا لقوانين وضوابط ربانية تنظّم كل حياة المؤمنين وتصبها في القالب التنفيذي الثابت الضابط ، دون الهابط الخابط . ولقد كان حقا حقيقا بالقرآن أن يصنع الإنسان بقمة الصنع ، لأنه من صنع المصدر الذي صنع الإنسان : « الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ » . . « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » ؟ . إن الجاهلية الأولى وهذه الجاهلية الحاضرة المتحضرة ، تجدان - على سواء - مكانهما في النصوص التربوية القرآنية ، وتجدان أيضا من يأخذ بأيديهما من مكانتهما السحيقة إلى القمة السامقة التي يحققها القرآن على ضوء تربياته وتزكياته العالية الغالية . هذه السورة تتولى رسم مفرق الطريق - بكل بيان وإتقان - بين الجاهليات على مدار الزمن ، وبين إنسان القرآن ، المتمثل فيه خططه وارشاداته المنقطعة النظير بين كل بشير ونذير . في مستهل السورة نجد تقريرا غريرا للربوبية السامية ووحدتها ، وللإنسانية ووحدة أصلها ونسلها ، في وصلها وفصلها ، ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة دون اية أثرة أو عسرة ، واتصالها سليما بوشيجة الرحم ، مع استجاشة هذه الروابط في الضمير الإنساني ككل ، واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها ، وحماية الضعفاء عن طريق التكافل بين الأسرة