الشيخ محمد الصادقي
260
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
لقد دارت دروس ثلاثة مضت حول إنشاء تصورات إيمانية رصينة هي محطات أصيلة في خط هذه السورة الطويلة ، والدرس الآن - وقد حان حين اختتام السورة - يقيم قواعد صارمة للنظام الاقتصادي الإسلامي ، تتكفل التعاون والتكافل المتمثل في إنفاقات مفروضة وسواها ، زكوات وسواها ، رفضا كل الأنظمة الإفراطية والتفريطية بحق الفقراء البائسين ، رفعا لكيانهم في كل انفاق إلى مستقر عز ، جاعلا أيديهم مثلا ليد اللّه ، وكأن اللّه هو الذي يأخذ الصدقات . فقد يراعي اللّه تعالى في الإنفاق على المعدمين رفعهم إلى مكانة أعلى من الواجدين ، وكأنهم هم الفقراء إليهم حيث يكسبون مرضات ربهم بما ينفقون ، دون منّ أو أذى ، بل هو انفاق بكل تبجيل واحترام ، بعيدا كل البعد عن اي تخجيل واخترام . فقد كان هناك الإنفاق قرينا بتخيل الفقر من وراءه ، أم قرينا بالنفاق ، فكان من يضن بالمال إلّا بربا ، أو ينفقه كارها مرائيا ، أم يتبع ما ينفقه بمن أو أذى ، أو يقدم الرديء من ماله احتجازا للجيد منه ، وهذه الآيات تعالج كل بأس وبؤس وعرقلة مادية أو معنوية في سبيل الإنفاق ، ولكي يجد البائس الفقير نفسه عزيزا غنيا حين ينفق عليه ويده هي العليا حين يأخذ الصدقات . فقد يعالج القرآن نكبة الفقر ماديا ومعنويا بأسلوبه الفريد في واجب الإنفاق وراجحه بصورة اديبة وسيرة أدبية فريدة ، كسرا لسورة الترف وثورته ، وجبرا لفورة الفقر وسترا لعورته ، تنديدا شديدا مديدا بالأغنياء المترفين البخلاء ، وكما نسمعه من امام المتقين على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : « وقد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه الا إدبارا والشر فيه إلا إقبالا والشيطان في هلاك الناس إلا طمعا ، فهذا أو ان قويت عدته وعمت مكيدته وأمكنت فريسته