الشيخ محمد الصادقي

232

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » : رب إبراهيم كما هو الحق المعترف هو به ، ورب الذي حاجه كما هو الواقع المنكور لديه ، فإنه رب العالمين ، مصدقين له أو ناكرين ، إذا فضمير الغائب راجع إليهما على البدل ، وما أجمله جمعا كما هو دأب القرآن الفني الخاص في تأدية المعاني الواسعة ، ولماذا « حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ » ؟ : « أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » ! وتراه هو ملك إبراهيم الذي آتاه اللّه روحيا وكما آتى بعض ولده وآله زمنيا ، أم روحيا وزمنيا وكما يقول : « فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً » ( 4 : 54 ) تأويلا لآل إبراهيم بإبراهيم وآله و « مُلْكاً عَظِيماً » يجمع كلتا القيادتين : الروحية والزمنية ، مهما انفرد البعض منهم بإحداهما ، حيث جمعتا لآخرين كداود وسليمان ويوسف ومحمد ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) وأخيرا القائم المهدى من آله عليهم السلام . ولقد سبقت آية الملك هذه آية الملك الروحي الرسالي المحمدي : « أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا . . . » . مما يمحور الملك الروحي ، فليس الملك الزمني إلا على هامشه وتحت إشرافه ، وليس الملك المتخلف عن القيادة الروحية إلا سلطة مغتصبة إبليسية . ومما يرجح هنا ملك إبراهيم أدبيا هو أقربيته مرجعا من الذي حاجه . ذلك ! ولكن ل « أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ » لا تمت بصلة كسبب لمحاجته إبراهيم ، إذ كان ناكرا للّه ، فضلا عن ملك آتاه اللّه إبراهيم كقيادة روحية ، ولم تكن زمنية ملموسة مصدقة ! . وقد يوجه ذلك الملك هنا بما نجاه اللّه من نار نمرود : « قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ . وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ، وَنَجَّيْناهُ