الشيخ محمد الصادقي

230

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

فسورة من القرآن وإن كانت أقله كالكوثر ، تتحدى الجن والإنس في الدهر كله ، لا ردحا من الزمن وجماعة خاصة ، فالتحدي يعم الزمن وأهله : « وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » أن يأتوا بمثله بشريّا أم إلهيّا ، فان اللّه لم يكلّم أنبياءه في سائر كتابات الوحي كما كلّم محمدا في القرآن ، رمزا لخلوده ، وهيمنة له على وحي الأرض والسماء كله ، وسبقة له في كافة ميادين السباق ، بل ولا سباق معه فيها إذ لا رفاق ! . فإنه ليس عبارات يحاولون محاكاتها ، بل هو كسائر ما يبدعه اللّه من آيات معجزات - وأعلى منها كلها - يعجز المخلوق من صياغته وصنعه ، فهو امر من اللّه كما الروح من أمره ، لا يدرك الخلق سره مهما أدركوا من معناه . انه آية إلهية يدل بنفسه على نفسه دون شهود آخرين : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً » ( 4 : 166 ) فلا تعني شهادة اللّه بما أنزل إلّا شهادة كلام اللّه أنه منه دون سواه حيث : « أنزله بعلمه » : فمعالم علم اللّه فيه باهرة : علما في كافة الحقول أدناها صياغة الألفاظ فصاحة وبلاغة ، وأعلاها العلوم الإلهية التي لن تدرك إلّا بالوحي وبينهما متوسطات . فالبشر الذي يعرف كلام البشر بوسمته ووصمته ، يعرف الوسمة الإلهية دون أية وصمة في القرآن ، لحد لا يستطيع وحيدها في الكلام ان يعبر عنه إلّا انه « يؤثر » : يبقى مدى الدهر دون معارضة ، وان افترى عليه : « أنه سحر » تناقضا فاضحا واضحا « 1 » .

--> ( 1 ) . راجع تفسير الآية ج 29 ص 246 - 250 .