الشيخ محمد الصادقي
208
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ » وليس المثل بالذي يقرب الممثل عن بعده إلّا إذا كان واقعا ملموسا كما هنا ، دون الأمثال البعيدة عن الواقع التي تبعّد ممثّلاتها أكثر وأكثر ! . هذا المثل الأول يمثل جماع حال المنافقين أنفسهم واما الثاني : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) . ف « أو » هنا للتقسيم حيث هذا القسم يختلف عن الاوّل تمثيلا ، فإنه مثلهم أنفسهم فيما يفعلون ، وهذا مثلهم وجاه صيّب الدعوة السماوية الإسلامية ، مثل يبدأ بهذه الدعوة الصارمة : « أو كصيب . . » وينتهي إلى : كيف يعاملونها ويتأثرون بها ! ويتطلعون إليها ! و « كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ » هو غزير المطر حيث يصبّ من السماء في ثورة الأمطار ، طوفانية المصدر ، بحرية المورد ، حاوية - رغم حياتها المائية - مثلث الإرهاب : « ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ » : ظلمات السحاب والغيوم المتراكبة التي تحول دون ضوء الشمس نهارا ، ودون أنوار نجوم السماء وقمرها ليلا ، ويواكبها « رَعْدٌ وَبَرْقٌ » رعد هو صوت قوي تحدث عن اصطكاك السحاب ، وبرق : هو نور يذهب بالأبصار نتيجة الاصطكاك ، والصواعق هي نوازل الرعد والبرق : قصف رعد ينقض منها شعلة من نار لطيفة لا تمر بشيء إلّا أتت عليه وهي مع قوتها سريعة الخمود ! وهكذا تمثل الرسالة القرآنية أنها « صيب من السماء » مطر غزير تسقي أراضي القلوب لتحييها ، نازلة من سماء الوحي الأخير ، ساترة على