محمد أبو زهرة
98
المعجزة الكبرى القرآن
سورة أخرى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ . [ العنكبوت : 48 ] الثالثة : أن قوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ الدراية داخلة على الاستفهام ، ففي الدراية متجه إلى الحقيقة ، أي أنه ما كان يدرى حقيقة الكتاب ولا تفصيل الإيمان ، وهذه تأكيد لنفى العلم بالكتاب علم دراية ، ونفى العلم بتفاصيل الإيمان علم دراية . ولا شك أن كل كلمة من هذا النص وما سبقه تتآخى مع ما بعدها وما قبلها في تقرير حقيقة ثابتة ، وهي أن القرآن روح من عند اللّه ، وكل روح فيها حياة ، وحياته في الشريعة التي أنزلها ، والتوحيد الذي دعا إليه ، والحق الذي أثبته ، والصلاح الذي بثه ، ودفع الفساد في الأرض ، ولكن القرآن نور هذا الوجود وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا . 59 - وننظر في النص ، وانسجام ألفاظه ، وتلاقى معانيه ، وإنك تجد للاستدراك هنا موضعا طيبا ، إذ إن النص الكريم السابق كان فيه نفى الدراية عن حقيقة الكتاب وعن حقيقة الإيمان ، والاستدراك هنا لا يفيد أن نفى الدراية دائم ، بل إنه ينتهى بعلم الكتاب الذي هو النور الذي يهدى به اللّه تعالى . ولنترك الكلمة للباقلاني في الإعجاز فهو يقول : « جعله سبحانه وتعالى روحا لأنه يحيى الخلق ، فله فضل الأرواح في الإحياء ، وجعله نورا لأنه يضيء ضياء الشمس في الآفاق ، ثم أضاف وقوع الهداية إلى مشيئته ، ووقف وقوع الاسترشاد به على إرادته ، وبين أنه لم يكن ليهتدى إليه لولا توفيقه ، ولم يكن ليعلم ما في الكتاب ولا الإيمان لولا تعليمه ، وأنه لم يكن ليهتدى لولا هداه فقد صار يهتدى ، ولم يكن من قبل ذلك ليهتدى ، أي أن القرآن الكريم قبل نزوله ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدرى ما الكتاب ولا الإيمان ، وبعد نزوله اهتدى وعلم ، وبلغ مرتبة أن يحمل الهداية والإرشاد للناس بعد أن كان لا يدرى الكتاب ولا تفصيل الإيمان ، وهذا يفيد أن القرآن تعليم اللّه للنبي ، وللناس من بعده » . وأن الكلام السامي وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً في هذا استعارة تمثيلية ، أي أنه هو كالنور المضئ الذي لا يضل فيه الساري ولا يختفى على من يبصر بسببه شئ ، بل إن فيه تأكيد التشبيه بجعله هو النور ، وأن الذين لا يبصرون حقائقه ، وما فيه من علم ، العيب فيهم وليس فيه ، والنقص منهم وليس منه ، وإضافة جعله نورا إلى اللّه تعالى تشريف له فوق تشريف ، وهو يتفق مع النسق الذي ابتدأ به النص الكريم ، ولكن مع أنه النور الذي يهدى - لا يهتدى به الناس من غير أن يكون ذلك بمشيئة اللّه تعالى . فقال