محمد أبو زهرة
99
المعجزة الكبرى القرآن
سبحانه : من نشاء من عبادنا . فبين سبحانه سلطانه على القلوب ، وخص بالهداية من شرفه بأنه من عباده ، تعالى سلطانه ، وقام عدله ، وفي هذا إشارة بيانية إلى أن الذي شاء اللّه تعالى هدايته هو من خلّص نفسه ، وجعلها للّه وحده ، وشرف بأنه من عباد اللّه لا من إخوان الشياطين . ولقد شرف اللّه تعالى نبيه بأن نسب إليه هداية الإرشاد ، وبيان السبيل فهو نور معه نور الكتاب ، ولذا قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أكد اللّه تعالى عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم ببيان سبيل الحق والدعوة إليه ، وأنه المستقيم الذي لا عوج فيه ولا اضطراب . فهنا هدايتان : أولاهما هداية التوجيه والإرشاد وبيان الحق ودعوته ، وهي للرسل لكيلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ، فمن علم واستنار واهتدى فلنفسه ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، وما اللّه بظلام للعبيد . والهداية الثانية العليا ، وهي امتلاء القلب بالإيمان بعد أن سار في طريقه وأرشد إليه ، وهذا لمن يشاء اللّه هدايته من عباده المؤمنين . وقد ذكر اللّه تعالى من بعد ذلك الحكم العدل بإعطاء الطائع جزاءه من ثواب ، وما يستحقه العاصي من عقاب ، فقال تعالى : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أي وإليه وحده مآل الأعمال كلها ، وكل امرئ بما كسب رهين ، فمن عمل صالحا فله جزاؤه ومن عصى وبغى نال عاقبة ما عمل . ونرى من هذا تآخى المعاني في الآيات ، وتسلسل ما ترمى إليه ، فبين أولا بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإعطاءه الدليل بمعجزة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وذكر ثانيا الحجة على صدق القرآن ، ثم أشار إلى أنه نور ، وذكر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم علمه الإرشاد وبيان الحق والطريق إليه ، وأن الهداية من بعد ذلك . هذا تآخى المعاني ، وكون كل معنى مقدم للذي يليه ، والتالي مبنى عليه ودعامة لما بعده ، أما تآلف الألفاظ في النغم والحروف ، فأمر فوق طاقة البشر . وإنه ليتألف من هذا الكلام صور بيانية للوحي ، والقرآن ونوره وهداية الأنبياء وموضعها ، وهداية اللّه تعالى ، وثمرتها في القلوب ، وكونه لعباد اللّه المخلصين ، لا لعبدة أهوائهم وشهواتهم .