محمد أبو زهرة
97
المعجزة الكبرى القرآن
عامة وبالنسبة لمحمد خاتم النبيين خاصة . وذلك إما برسول يشاهد ، يرى ويسمع كلامه كتبليغ جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم ( يراها النبي صلى اللّه عليه وسلم وحده ) ، وإما بإلقاء في الروع كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن روح القدس نفث في روعى » ، وإما بمخاطبة اللّه تعالى وسماع كلامه سبحانه من غير حس ، كما كان في المعراج وفرض الصلوات . وبكل تلك الأنواع والطرق كان وحى اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم . ونجد في إضافة الإيحاء إلى اللّه تعالى بيان عظمة الوحي ، وكون الإيحاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم مخاطبا له جل جلاله إعلاء لشأنه ، وبذلك تتآخى في رفع شأن الرسالة والنبي صلى اللّه عليه وسلم . وقوله تعالى : رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ، والروح هنا قال أكثر المفسرين للقرآن إنه جبريل ، ونرى أنها تشمل جبريل عليه السلام فقد سماه اللّه تعالى روح القدس ، ويكون معنى الإيحاء الإرسال ، ويشمل القرآن ، ويشمل الشريعة نفسها ، وتسميتها بالروح لما فيها من معنى البقاء والحياة إلى يوم القيامة ، وإضافتها إلى من أمر اللّه تعالى لتشريفها وتشريف من جاءت إليه وبعث باسمها ، وهكذا نجد مع ائتلاف الألفاظ في النسق والنغم وجرس الكلام تآخيا في المعاني ، فإنها كلها تدل على شرفها بعظم مصدرها وهو اللّه تعالى ، وكبر المعاني في ذاتها ، فكان لها شرف المعاني ، وكان لها شرف أنها من اللّه تعالى ، فأي كلام بليغ يصل إلى كل هذا في التآلف بين المعاني والألفاظ . 58 - والآية السامية تحوى في سياقها ، دليل الرسالة فيقول تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ، وإن هذا النص الكريم مع إيجازه يرمى إلى ثلاث حقائق : الأولى : أنه ما كان يعلم علم الكتابة فلم يكن قارئا ولا كاتبا وعبر هنا عن العلم بالدراية ، لأن الدراية علم يأتي بالتعلم والممارسة ؛ فهو علم كسبى ، وأنه ما كان يعلم بالدراية ، ونفى الدراية في الإيمان لأنه لم يكن هناك من يلقنه علم الإيمان إلا أن يكون إلهاما من اللّه تعاونه الفطرة المستقيمة ، وقد يقال أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مؤمنا منذ بلغ التمييز وقبل ذلك ، فكيف كان لا يدرى الإيمان ، والجواب عن ذلك أنه كان موحدا ، ولكن بقية ما يقتضيه الإيمان من صلوات وزكوات وتنظيم للمجتمع ، وطرق التعامل السليم ، ما كان يدريه ، وبهذا يفسر قوله تعالى : أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) [ الضحى : 6 ، 7 ] . الثانية : أن في هذا الكلام السامي حجة على أن القرآن من عند اللّه تعالى ، وأن محمدا لم يأت به من عنده ، لأنه ما كان يقرأ ولا يكتب ، وهذا كما قال اللّه تعالى في