محمد أبو زهرة
95
المعجزة الكبرى القرآن
موضع الفجر يحسن في كل كلام ، إلا أن يكون شعرا أو سجعا ، وليس كذلك ، فإن إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع ، وتزل عن مكان لا تزل فيه اللفظة الأخرى ، بل تتمكن فيه ، وتضرب بجرانها ، وتراها في مظانها ، وتجدها في غير منازعة في أوطانها ، وتجد الأخرى لو وضعت في موضعها لكانت في محل نفار ، ومرمى شرار ، ونابية عن استقرار » « 1 » . هذا ما ذكره الباقلاني في كتابه ، وإذا طرحنا ما فيه من سجع لم يجئ على رسله واتجهنا إلى ما يرمى إليه وجدناه سليما دقيقا ، وإنه لا ينطبق على كلام كما ينطبق على القرآن ، ومقام القرآن فيه مقام الذروة والسنام . وإن التأليف ليس فقط في نسق الألفاظ ونغمها ، بل إنه يشمل التآخي في المعاني كالتآخى في المباني ، فلا يكون معنى لفظ نافرا من المعنى الذي يجاوره ، ويتألف من الألفاظ والمعاني وما توعزه من أخيلة ، وما تثيره من معان متداعية يدعو بعضها بعضا ، ويتألف منها علم زاخر ، كثير خصب ، وقد عبر عن هذا المعنى الوليد ابن المغيرة بقوله : « إن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق » . ولنذكر لك شاهدا على ما نقول هو قصة الأعرابي الذي سمع قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) [ المائدة : 38 ] ، فأخطأ القارئ وقال : غفور رحيم ، فقال الأعرابي ، إنه يقطع الأيدي نكالا فلا يتفق القول ، فراجع القارئ نفسه وأدراك المعنى . 57 - وإن التآخي في المعاني والألفاظ ونسقها ونغمها ومعانيها واضح في كل آيات القرآن ، لا في آية دون أخرى ولا في سورة دون سورة ، فلا تجد في لفظ معنى يوجه الخاطر إلى ناحية ، ويليه آخر يوجهه إلى ناحية أخرى ، بل تجد النواحي متحدة إما بالتقابل وإما بالتلاصق والمجاورة ، وفي كلتا الحالين ، تجد معنى كل لفظ يمهد لمعنى اللفظ الآخر فلا تنافر في المعاني ، كما أنه لا تنافر في الألفاظ ، وهما في مجموعهما ينسابان في النفس غذاء رطيبا مريئا ، ونميرا عذبا سلسبيلا . وقد ساق الباقلاني آيات ليست مختارة اختيارا ، لأن آيات القرآن كلها لا نظير لها ، فليس اختيار من ينتقى لأن كله خير ، وسنذكر آيات مما ذكر وأخرى لم يذكر ، كأن نفتح الكتاب ، فيبدو نوره فنقبس منه قبسة . وقرأ قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 )
--> ( 1 ) إعجاز القرآن ص 280 طبع المعارف .