محمد أبو زهرة

74

المعجزة الكبرى القرآن

يتصور أن يكون بين اللفظتين تفاضل في الدلالة ، حتى تكون هذه أدل على معناها الذي وضعت له من صاحبتها على ما هي مرسومة به ، ثم يقول رضى اللّه عنه : « هل يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر إلى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من أن تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية ، أو أن تكون حروف هذه أخف وامتزاجها أحسن . وهل تجد أحدا يقول هذه اللفظة فصيحة ، إلا وهو يعتبر مكانها من النظم ، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها ، وهل قالوا : لفظة متمكنة ومقبولة ، وفي خلافها قلقة ونابية ومستكرهة إلا وغرضهم أن يعبروا بالتمكن عن حسن الاتفاق بين هذه وتلك من جهة معناها ، وبالقلق والنبو عن سوء التلاؤم ، وأن الأولى لم تلتق بالثانية في معناها ، وأن الثانية لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤداها ، وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى : وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) [ هود : 44 ] فتجلى لك منها الإعجاز ، وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة ، والفضيلة القاهرة إلا لأمر يرجع إلى ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض ، وإنه لم يعرض لها الشرف إلا من حيث لاقت الأولى الثانية ، والثالثة الرابعة ، وهكذا إلى أن تستقر بها إلى آخرها ، وأن الفضل نتج مما بينها ، وحصل من مجموعها ، إن شككت فتأمل : هل ترى لفظة بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت من الفصاحة ما تؤديه ، وهي في مكانها من الآية ، ابْلَعِي واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها ، وإلى ما بعدها ، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها . . . ومعلوم أن مبدأ العظمة في الآية في أن نوديت الأرض ، ثم أمرت ، ثم كان النداء بيا دون أي . . ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء . . . إلى آخر ما قال . ويستدل على أن الكلمة ليس لها فصاحة ولا بلاغة في ذاتها أن الكلمة تروق في موضع ولا تروق في آخر في كلام الناس ، فلو كانت الكلمة إذا حسنت كان حسنها من ذاتها ، لاستحسنت دائما ، وما استهجنت أبدا . وينتهى من هذا إلى أن جمال الكلام ليس في توالى ألفاظه في النطق ، بل إن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل . ويسترسل الجرجاني في إثبات أن الكلمات ليست لها فصاحة ذاتية ، إنما بلاغتها في اجتماعها مع غيرها في تلاقى المعاني ، وأنه ليس للألفاظ ولا للحروف حسن ذاتي منفرد ، ولا قبح ذاتي منفرد ، إنما حسنها في تلاقيها مع أخواتها في الدلالة وتساوق المعاني وما تنتجه من صور بيانية ، ومراتب أهل البيان في مقدار قدرتهم على اختيار الألفاظ المتآخية في معانيها . ويفهم من كلامه أن النظم لا يلتفت إليه وحده إنما يلتفت