محمد أبو زهرة

75

المعجزة الكبرى القرآن

إلى معانيه أيضا ، وأنه يريد من النظم الكلمات لا ذات الكلام كله برناته القوية ، أو الهادئة التي تنساب في النفس ، وتتغلغل فيها حتى تصل إلى أعماقها . 45 - هذا رأى الجرجاني ، وله مقامه ، يقصر البلاغة والفصاحة على الأسلوب ومجموع العبارات التي تتضافر في الدلالة على معان متآخية ، وتتآخى الألفاظ في الدلالة على هذه المعاني . وهناك فريق آخر ، ومن هؤلاء الجاحظ ، يرون للحروف وللكلمات فصاحة ، عندما تتلاءم حروفها ولا تتجافى مخارجها ولا يكون فيها تكرار فلا فصاحة في مثل ما رواه الجاحظ : وقبر حرب بمكان قفر * وليس قرب قبر حرب قبر فإن تكرار الحروف جعلها غير متلائمة ، وغير سهلة في النطق . وقد عقد ابن الأثير في كتابه ( المثل السائر ) فصلا قيما ذكر فيه فصاحة الكلمات وقبحها ، في رنينها وفي تآخى حروفها ، وقال : إن من الكلمات ماله نغمة أوتار ، ومنها ماله صوت حمار ، وضرب على ذلك الأمثال ، فقال : إن كلمة السيف لها مرادف ، وهو الخنشليل ، فهل هما متماثلتان في الفصاحة والنغمة الصوتية ، ومثل كلمة غصن ، وكلمة عسلوج بمعنى الغصن ، فهل هما متماثلتان في النغمة وسهولة النطق . ويبدو من كتاب إعجاز القرآن للباقلاني أنه يرى أن للكلمات ذاتها فصاحة خاصة ، وأن تخيرها يدل على قدرة قائلها ، وعلو بيانه ، فإذا كانت المعاني البلاغية لجملة القول ، ففي اختيار الألفاظ المتناسبة في موسيقاها ، وفي نغمتها وفي رنتها قوية أو هادئة على حسب المقام ، فللفظ دخل في الاختيار . ويقول الباقلاني في ذلك : « قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة ، والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة ، وأسباب مؤسسة مستحدثة ، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر ، والأمر المتقرر المتصور ، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ، ويراد تحقيقه بأن التفاضل في البراعة والفصاحة ، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعاني والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر ، فالبراعة أظهر » . ثم يقول : « وأنت ترى جمال الكلمة من القرآن يتمثل في تضاعيف كلام كثير ، وهي غرة جبينه ، وواسطة عقده ، والمنادى على نفسه بتميزه ، وتخصصه ، برونقه وجماله ، واعتراضه في حسنه ومائه » « 1 » .

--> ( 1 ) إعجاز القرآن للباقلاني ص 64 .