محمد أبو زهرة

7

المعجزة الكبرى القرآن

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم المعجزة الكبرى تمهيد 1 - يسير الكون على سنن قد سنت ، ونظم قد أحكمت ، وارتباط بين الأسباب والمسببات العادية لا يتخلف ، وإن تخلفت المسببات عن أسبابها ووجدت الأمور منفكة عن علتها ، كالولد يولد من غير أب ، وكالحركة تجىء من جامد لا يتحرك كعصا ، ونار تنطفئ وقد أوقدت ، إذا كان ذلك الانقطاع بين الأسباب العادية ومسبباتها حكم العقل بأن الذي فعل ذلك فوق الأسباب العادية ومسبباتها ، ولو ساير العقل منطقه إلى أقصى مداه ( وليس بعيدا في حكم المنطق العقلي المستقيم الذي يصل إلى المدى من أقر به ) فإنه لا بد واصل إلى أن الذي خرق العادات وخالف أسبابها ومسبباتها لا بد أن يكون خالقها وموجدها . وإذا كان القصور العقلي لا يصل إلى هذه الغاية ، فإنه لا بد وأصل إلى أن خرق هذه العادات لا بد أن يكون لغاية ، وأنه إذا وجدت هذه الغاية وبينت مقاصدها ، وعلم أن ذلك الخرق لهذه الغاية تبين معه صدق ما يدعى ، وأنه يعلم من وراء ذلك الخالق الحكيم ، المسيطر على كل شئ الذي يفعل ما يريد ، ولا يقيده نظام خلقه ، ولا عادات أوجدها . لذلك كان الأمر الخارق للعادة حجة الصدق لمن يدعى أنه يتكلم عن الخالق الحكيم الفعال لما يريد ؛ لأنه لا يغير العادات سواه وإن الصادق يعلن دعواه ، ويقيم ذلك برهانا عليها ، ويتحدى الناس أن يفعلوا مثلها ، ويسمى في هذه الحال أنه معجزة . ولذلك عرفوها بأنها : الأمر الخارق للعادة الذي يدعى به من جرى على يديه أنه نبي من عند اللّه تعالى ، ويتحداهم أن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين ، وأن المعجزة المادية تتحدى بنفسها مع ادعاء الرسالة . فإن النار لا تنطفئ من تلقاء نفسها ، إذ يلقى فيها إبراهيم عليه السلام فتكون بردا وسلاما عليه فلا يحترق ، وكالعصا التي تتحرك وتتلوى كأنها ثعبان مبين وليست سحرا كما أدرك الساحرون ، وكانوا أول المؤمنين ، وكإبراء عيسى للأكمه والأبرص بإذن اللّه ، وكإحيائه الموتى بإذن اللّه ، فما كان له أن يطلب منهم أن يأتوا بمثلها ، والقصور بين ، والعجز واضح ، ومع ذلك فالتحدي قائم ، والعجز ثابت ، والحجة قائمة ، وكان عليهم أن يؤمنوا بالحق إذا جاءهم .