محمد أبو زهرة

8

المعجزة الكبرى القرآن

وهناك بجوار المعجزة المادية معجزة هي شئ قائم بذاته ثابت ، ولكن الإعجاز فيه أمر لا يدرك بالحس ، ولكن يدرك بالدراسة والفحص ، وقد يدعى بعض من لا يسبر غوره ، ويعرف أمره ، أنه يستطيع أن يأتي بمثله وما هو بمستطيع ، وأنه في قدرته ، وليس بقادر عليه ، وهو من غرور النفس ، أو ادعاء القدرة أو اللجاجة في الأفكار ، والمباهتة المناهضة للحقائق . وإن ذلك يكون في المعجزة التي تكون من نوع الكلام ، وهي معجزة القرآن الكريم ، فقد كان الغرور يوهم بعض المخاطبين به أن عندهم القدرة على الإتيان بمثله ، فكان لا بد من كشف هذا الغرور ، وإزالة تلك الغشية الباطلة ، ليتبين وضح الحق ، ولذلك طالبهم اللّه تعالى بأن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين في مثل قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) [ سورة البقرة : 23 ] ، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وقرر سبحانه أن البشر يعجزون عن أن يأتوا بمثله ، فقال تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . [ سورة الإسراء : 88 ] 2 - وهنا يسأل سائل : لما ذا كانت معجزة إبراهيم نارا موقدة صارت بردا وسلاما ، ومعجزة موسى عليه السلام كانت عصا صارت حية تسعى ، وغيرها أيده اللّه به إلى تسع آيات كلها كانت مادية حسية ، وكذلك كانت معجزة عيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه ، وإنزال مائدة من السماء ، بل كانت ولادته ذاتها معجزة حسية إذ ولد من غير أب ، وتكلم في المهد صبيا ، إذ قال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 ) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 ) [ سورة مريم : 30 - 33 ] . لما ذا كانت معجزات الأنبياء السابقة حسية على ذلك النحو ، ومعجزة محمد صلى اللّه عليه وسلم معنوية ، فقد كانت بيانا يتلى ، وذكرا حكيما ، يحفظ فيه بيان الشرائع المحكمة الخالدة ؟ قبل أن نخوض في الإجابة عن السؤال الوارد في موضعه ، نقرر أن كون المعجزة مادية حسية تبهر الأعين بادئ الرأي لا يدل على علو المنزلة ، أو عكسها ، ولكنها حكمة اللّه تعالى العليم بكل شئ ، القادر على كل شئ ، واللّه تعالى فضل بعض الرسل على بعض ، فمنهم من كلم اللّه ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، ولكن ليست