محمد أبو زهرة
69
المعجزة الكبرى القرآن
ونشرتها ، وترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية ، وقد أقمنا الدليل على أن تلك الشريعة المحكمة لا يمكن أن يأتي بها أمي لا يقرأ ولا يكتب ، وقد نشأ في بلد أمي ليس به مدرسة ولا مكتب دراسة ، وهي في إحكامها لا يمكن أن تكون إلا من عند اللّه تعالى . وكتبنا بحثا وازنا فيه بين شريعة القرآن وقانون الرومان في الملكية بالخلافة ، وذكرنا أن قانون الرومان قد تكون في نحو ثلاثة عشر قرنا ، ومع ذلك هو في الملكية بالخلافة لا يوازن بشريعة القرآن إلا إذا وازنا بين عصا هشة وسيف بتار ، فلا يمكن أن يأتي به محمد من عنده ، بل هو من عند اللّه تعالى . والأوربيون القانونيون يرون في قانون الميراث في القرآن أن العقل البشرى لم يصل إلى الآن إلى خير منه ، ونحن لهذا نقرر أن ما ذكره القرطبي غير الصرفة يدل على أن القرآن كله جملة وتفصيلا هو من عند اللّه سبحانه وتعالى العليم الخبير . ولكن نرى أن اللّه تعالى تحدى العرب أن يأتوا بمثله ولو مفترى ، فكان التحدي للعرب ابتداء بالمنهج البياني للقرآن ، وهو الذي استرعى ألبابهم . ولعله لم تكن بلغت مداركهم العقلية والقانونية أن يعرفوا مدى ما في أحكام القرآن من تنظيم سليم للمجتمع ، فيه المصلحة الإنسانية العالية التي تعلو على تفكير البشر ، وإن كان فيهم ذوق بيانى يذوقون به الألفاظ الفخمة القوية في رنينها ، المصورة للمعاني في أحوالها الصوتية وتكون حروفها ، ومرامى عباراتها ، ويدركون في ذلك المعنى السليم من غير إجهاد فيدركون ما هو جيد المعنى في ذاته من غير أن يتعرفوا فلسفة قانونية أو عقلية أو كونية ، وفي القرآن ما يرضيهم ويملأ نفوسهم ، ويعجزون عن أن يأتوا بمثله . وإن القرآن فيه الشريعة الباقية الخالدة ، وهو يخاطب الأجيال كلها ، والأجناس كلها العرب والعجم ، والبيض والسود والأحمر والأصفر ، فليس ما فيه من الإعجاز خاصا بالعرب ، وإنما إعجازه يعم الجنس البشرى كله لأنه يخاطب الجميع ، ويطالب الناس قاطبة بأحكامه . وفيه البينات المثبتة لكل جنس . وعلى ذلك نقسم وجوه الإعجاز التي اشتمل عليها القرآن إلى قسمين : أولهما : ما يتعلق بالمنهاج البياني ؛ وهذا النوع من الإعجاز أول من يخاطب به العرب ، لما ذكرنا في صدر كلامنا من أنه جاء بلغتهم ، ولأنهم كانوا بمقتضى بداوتهم مع استقامة تفكيرهم ، ومع وجود نبوات سابقة فيهم أبقت بعض العلم ، وبمقتضى ثقافتهم اللسانية وعنايتهم بلغتهم كانوا أكثر الناس إدراكا لمعنى الإعجاز في القرآن من ناحية بيانه ، ونغمه ، وجزالته ، وكذلك كان الأمر منهم ، وكانوا هم المخاطبين أولا به ، وبعجزهم قام البرهان الأول .