محمد أبو زهرة
70
المعجزة الكبرى القرآن
القسم الثاني : الإعجاز بما اشتمل عليه من ذكر لأخبار السابقين ، ولأخبار مستقبلة ، وقعت كما ذكر ، واشتماله على علوم كونية وحقائق لم تكن معروفة في عصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أتى بها القرآن ، وتقررت حقائقها من بعد . وكذلك ما اشتمل عليه من شرائع أثبت الوجود الإنسانى أنها أصلح من غيرها وأنها وحدها العادلة ، وأن هذا النوع معجزة للأجيال كلها ، وهو يحتاج في بيانه إلى مجلدات ضخام ، ولذلك نتجه ابتداء إلى القسم الخاص بالبلاغة ، وهو الأول . الإعجاز البلاغي 41 - أخذنا أولا من أسباب الإعجاز ذلك السبب ، لأنه الواضح بالنسبة للعرب ، لأنه هو الذي شده به العرب عند أول نزوله فحيرهم ، وهم المدركون لأساليبه ، العارفون لمناهجه ، الذين يذوقون القول بأسماعهم ، ويدركونه بعقولهم ، ويعرفون مواضع الكمال ، ومواضع النقص في كل ما يسمعون من شعر ، حتى أنهم يتجهون إلى مواضع الحسن ، والمآخذ التي تؤخذ بلقانة فطروا عليها ، ولباقة عرفوا بها . ولنسق لك مثلا من نقدهم ، فلقد عرض بيتان في سوق عكاظ على الخنساء لحسان بن ثابت رضى اللّه عنهما ، فلمحت بقوة الملاحظة الناقدة ما فيها من عيوب تخفى إلا على من يذوق الكلام ذوقا ، ويدرك معانيه وألفاظ بأرب وفكر مستقيم . قال حسان رضى اللّه عنه : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما ولدنا بنى العنقاء وابني محرق * فأكرم بنا خالا ، وأكرم بنا ابنما فقالت الخنساء : ضعفت افتخارك ، وأنزرته في ثمانية مواضع ، قالت : قلت لنا الجفنات ، والجفنات ما دون العشر ولو قلت الجفان لكان أكثر ، وقلت : الغر ، والغرة البياض في الجبهة ، ولو قلت البيض ، لكان أكثر اتساعا . وقلت يلمعن ، واللمعان شئ يأتي بعد الشيء ، ولو قلت : يشرقن لكان أكثر ؛ لأن الإشراق أدوم من اللمعان ، وقلت بالضحى ، ولو قلت بالدجى لكان أبلغ في المديح ، لأن الضيف أكثر طروقا بالليل ، وقلت أسيافنا ، والأسياف دون العشرة ، ولو قلت سيوفنا لكان أكثر ، وقلت يقطرن ، فدللت على قلة القتل ، ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم ، وقلت دما ، والدماء أكثر من الدم ، وفخرت بمن ولدت . ولم تفتخر بمن ولدوك أه « 1 » . سقنا ذلك الخبر ، وهو صورة لما كان عليه الذوق البياني ، وإن كان هنالك شك في روايته ، فإنه يدل على أن روح النقد بالذوق المرهف كان مشهورا بين العرب وكثيرا .
--> ( 1 ) هامش إعجاز القرآن للرافعي ص 255 .