محمد أبو زهرة

50

المعجزة الكبرى القرآن

لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] وذلك يناسب رسالته التي هي خاتم الرسائل الإلهية التي جاء بها محمد رسول اللّه تعالى خاتم النبيين ، بصريح القرآن الكريم ، فلا نبوة بعد النبي صلى اللّه عليه وسلم . فكان المناسب أن تكون المعجزة من نوع الكلام الخالد الباقي ، كما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما من نبي إلا أوتى ما مثله آمن عليه البشر ، وكان الذي أوتيته وحيا أوحى به إلى ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا إلى يوم القيامة » كما روينا من قبل ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام . وإنه معجزة للخليقة كلها ، وفيه الدليل على أنه من عند اللّه للناس أجمعين ، فهو إن جاء بلسان العرب ، وفيه أعلى درجات البيان العربي ، يشتمل في ثناياه على ما يعجز الناس أجمعين ، فإذا كان قد أعجز العرب ببيانه فقد أعجز الناس أجمعين بمعانيه وشرائعه ، وما اشتمل عليه من علوم ، بل بمبانيه أيضا . قال منزله عز من قائل : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء : 88 ] تعالت كلمات اللّه تعالى . تلقى العرب للقرآن 28 - كلف محمد عليه الصلاة والسلام أن يستعد للقاء الرسالة الإلهية لينشر التوحيد والخلق المستقيم والعبادة الخالصة للّه تعالى بين الناس ، وكان تكليفه بالقرآن وأول نزوله ، فقال له جل جلاله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) . [ العلق : 1 - 5 ] تقدم محمد للدعوة إلى ربه معتمدا على أمرين بعد تأييد اللّه تعالى له وإعزازه ، ومصابرته وأخذهم بالحسنى . اعتمد أولا على الحق الذي يدعو إليه ، فالحق ذاته قوة لا تعدلها قوة عند النفوس التي لم تتعوج بمفاسد العصبية ، أو التقليد المصم عن الحق ، فذكر لهم التوحيد ، وقد كانوا على إدراك له في الجملة كما بينا عند الكلام في القسم التاريخي عن بقاء بعض المأثورات عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم . وكان التنبيه إلى أن الأوثان لا يعقل أن تعبد ، وإزالة ما حولها من أوهام ، وما علق بها من خرافات ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وقد بين ذلك محمد صلى اللّه عليه وسلم على أكمل وجه .