محمد أبو زهرة

51

المعجزة الكبرى القرآن

واعتمد مع نور الحق في ذاته على نور القرآن المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو في هدأة الداعي الرشيد يدعوهم إلى هجر عبادة الأوثان ، ويقرأ عليهم القرآن الكريم ، ففي دعوة الحق وفي القرآن البرهان القاطع والضوء اللامع . كانوا ينفرون من الحق المجرد ، لأنه يخالف ما ألفوا ، وما وجدوا عليه آباءهم : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) [ البقرة : 170 ] . ولكنهم إذا استمعوا إلى القرآن تحيرت الأفهام ، واضطربت أحوالهم بين قديم ألفوه ، وحق في القرآن عرفوه ، فهم يحاورون في الحق ، ولكن لا يدرون ما ذا يدفعون به القرآن الذي يحمله ويدعو إليه وإلى ما جاء به ، وإنهم بذوقهم البياني يجدون أنه فوق كل كلام ، ولا يمكن أن يجرى به لسان من ألسنتهم وأمثالهم ، بل لا يمكن أن يأتي به محمد من عنده ؛ لأنهم من قبل عرفوا كلامه ، وقد رأوه عاليا في جوامع كلمه ، ولكن القرآن أعلى من طاقة الإنسان ومن طاقة محمد ذاته . ما ذا يقولون فيه ؟ أيقولون أنه باطل وقد كبروا ما هو دونه من قصيد ورجز ، إن في ذلك كانت الحيرة ، وهم من الناحية البيانية لم يتهافتوا ولم يسفوا في القول ؛ وإذا كان فيهم حمقى حاولوا أن يجاروه ، أو ادعوا أنهم يجارونه ، وعرضوا ما قالوا ، فنال الاستضحاك والسخرية ، وزاد القرآن الكريم مكانة وتقديرا ، وما كان لأمثال أبي سفيان والوليد بن المغيرة أن يسفوا بأنفسهم ذلك الإسفاف ، بل إنه لم يسف إلى هذا عمرو ابن هشام ( أبو جهل ) لأنه يعلم مقدار علوه ، فلا يتهافت إلى إنكار مكانته في البيان ، فهو يستبيح أذى النبي صلى اللّه عليه وسلم وأذى أصحابه ، ولا يستبيح الطعن في مقام القرآن البياني ؛ لأنه يلحقه الطعن بالأذى والتصغير ، ولا يلحق محمدا الذي نزل القرآن عليه وخاطب به الناس أجمعين ، ولنذكر لك أخبار من سمع القرآن ، وخر بين يديه صاغرا مع شدة العداوة والملاحاة واللدد والخصومة ، والبقاء على الكفر ، والإصرار على الشرك . 29 - ( أ ) سمعه الوليد بن المغيرة فرق له رقة لم تعرف فيه نحو الإسلام فخشى أبو جهل ( عمرو بن هشام ) أن يسير في الطريق القويم إلى الإسلام ، فأنكر عليه أبو جهل حاله ، ولكنه لم يستطع أن يقول في القرآن شيئا ، فقال له الوليد : « واللّه ما منكم أحد أعلم بالأشعار منى ، أعرف رجزها وقصيدها ، واللّه ما يشبه الذي يقوله شيئا من ذلك ، إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق . وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، ما يقول هذا بشر » . ولقد اجتمعت قريش عند الوليد يتذاكرون ما ذا يقولون في القرآن . وقد رأوا العرب يفدون ، ويستمعون إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيبلغ القرآن منهم أعماق نفوسهم ، فكيف