محمد أبو زهرة
49
المعجزة الكبرى القرآن
الجوهري ، والمنزع القوى ، ومنهم الحضري ( أي ساكن المدن ) ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، والرقيق الحاشية » إلى آخر ما ذكره عياض في بيان بلاغة العرب ، ومقدار إدراكهم لجمال الكلمات في رنينها ، كما يدرك الصير في رنين الحلى الكريمة غير الزائفة ، من بين ما يعرض له . تلك كانت حال العرب في جاهليتهم ، كانت جهلا بالدين مع بقايا ملة إبراهيم ، وليسوا جهالا في البيان ومعرفة أسرار البلاغة يدركونه بلحظ الحال ، لا بإمعان عقل وطول تفكير ، يدركونه بنغماته ومعانيه في لمح الفكر ، من غير طول المكث . لذلك كان المناسب لمثل هؤلاء الذين تلقوا دعوة محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخاطبهم القرآن الكريم ابتداء أن تكون المعجزة من النوع الذي يحسنونه ، ليعرفوا مقدار علوه عن الطاقة ، فالمعجزة بلا شك تناسبهم فوق مناسبتها لموضوع الرسالة وعموم أزمانها وخلودها إلى يوم القيامة ، وقد بينا ذلك في أول الكلام ، فإذا كانت معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم من نوع الكلام السامي فوق طاقة الناس فإنها تكون مناسبة لمن تلقوها في أول أمرها ومناسبة لخلودها . إننا لا ننفى الآن ، ولم ننف من قبل أنها مناسبة لعصر نزولها ، ولكننا نقول أيضا أنها مناسبة لموضوع الرسالة وخلودها ، وبقائها إلى يوم القيامة . إن القرآن في أعلى درجات البيان من حيث لفظه ، ومن حيث نغماته ، ومن حيث مغازيه ومن حيث الصور البيانية التي تكون في ألفاظه وعباراته ، حتى إن كل عبارة تلقى في الفكر والخيال بصورة بيانية كاملة في روعتها ، ودقة تصويرها ، بل إن كل كلمة لها صورة بيانية تنبثق منها منفردة ، وبتآخيها مع أخواتها في العبارة تتكون صورة بيانية أخرى ، فوق أن الرنين الموسيقى تنفعل به الأسماع إلى القلوب في معان محكمة ، وحقائق بينة ، وشرائع منظمة للعلاقات والسلوك الإنسانى القويم ، الهادي إلى الصراط المستقيم . التقى في المعجزة الكبرى للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهي القرآن المبين - معنيان ، أصيب بهما هدفان : أولهما - أنه المناسب الذي يعرف به العرب معنى الشيء الخارق لما عرف ، الخارج عن طاقتهم ، فإنه لا يدرك أثر ذلك إلا هم ، ولا يعرف مقامه إلا من على شاكلتهم من معرفة مقام القول ، ومنزلة البيان . وثانيهما - أن كونه من نوع الكلام الموحى به الباقي الخالد الذي حفظه اللّه تعالى ، ووعد بحفظه إلى يوم القيامة كما تلونا من قبل إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ