محمد أبو زهرة
425
المعجزة الكبرى القرآن
هذه الأخبار واردة عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهي في ظاهرها تدل على جواز التغني بالقرآن والترجيع فيه والتطريب به ، وقد طار بهذه الآثار أولئك الذين يروجون قراءة القرآن بألحان الأعاجم ، وكان لنا أن نردها لمخالفتها المتواتر عن الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم . فلننظر إليها فهل تؤدى في مدلولها إلى جواز اتخاذ القرآن سبيلا للتطريب في عصرنا ، لتحدث القراءة طربا ولا تحدث عظة واعتبارا ، وخشية من اللّه . وإحساسا من المؤمن بأن اللّه تعالى يخاطبه بهذا القرآن . ولننظر فيها خبرا خبرا نتعرف ما يدل عليه في ظاهره ، وفي حقيقته . أما الخبر الأول : وهو ما نسب إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم من أنه قال : « زينوا القرآن بأصواتكم » ، فإنه لا يفسر بظاهره ، لأن القرآن زين بذاته ، ولكن المتأمل يرى أن القراءة المرتلة التي يلاحظ فيها المأثور من القراءات ، وملاحظة المعاني فيها ، فيرتفع الصوت فيها نسبيا في آيات التهديد والإنذار ، ويخضعه نسبيا في آيات التبشير ، ويقرأ قراءة المتأمل في الآيات الكريمة الداعية إلى التفكير ، فإن هذا بلا شك موافق للترتيل الذي أخذناه عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ومصور للمعاني القرآنية من غير أن تكون القراءة صياحا نمطيا ، ومن غير أن تكون تلحينا أعجميا ، ولينا في الإلقاء لا يسوغ . وإنا نحسب أن تزيين القراءة لا يكون إلا بالترتيل ، فالتزيين في كل شئ بما يناسبه ، وذلك واقع في المعنويات كما هو واقع في الحسيات ، والأشياء والأشخاص ، ولا شك أن القراءة تكون بما يناسب معاني القرآن ، وموضع العظة والاعتبار والتأمل فيه ، ولا يمكن أن يفسر التزيين بالتلوى في الحروف والكلم ، فإن ذلك شين ، وليس بزين . ولنرجع إلى تفسير البراء الذي روى هذا الخبر ، فقد قال في تفسيره له : زينوا القرآن بأصواتكم ، أي الهجوا به ، واشغلوا به أصواتكم ، واتخذوه شعارا وزينة ، وقيل : إن معناه الحض على قراءة القرآن . وإن هذين التفسيرين : وإن كانا غير ما فسرنا به الخبر ، يتلاقيان مع تفسيرنا ، ولا ينافرانه ، وهما يتفقان مع غيره من الأحاديث في هذا الباب . 266 - ولننظر فيما أخرجه مسلم من قول للنبي عليه الصلاة والسلام إذ قال : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » فقد فسره بعض العلماء بأن التغني هنا تحسين الصوت بقراءة القرآن ، بأن يعود لسانه النطق السليم من قراءة القرآن بإخراج الحروف من مخارجها ، واتباع الترتيل المحكم عن النبي عليه الصلاة والسلام في المد والغن