محمد أبو زهرة

426

المعجزة الكبرى القرآن

والإدغام ، والفصل والوصل ، والوقوف في موضع الوقف ، ووصل القراءة في مواضع الوصل ملاحظا المعاني ، ومدركا ما يقرأ ، وهذا يتلاقى مع ما روى عن ابن عمر أنه قال : حسنوا أصواتكم بالقرآن . وما روى عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال : « زينوا أصواتكم بالقرآن » . ولا شك أن الوهم الذي دخل على الذين يقرءون القرآن بألحان الأعاجم ، والذي استنكره أنس بن مالك خادم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، هذا الحديث هو العماد الذي يقوم عليه عمل هؤلاء ، نحن لا نرى فيه ما يؤيد كلامهم . إن التغني مصدر غنى يغنى تغنية ، وهو فيما أعتقد غير الغناء ؟ لأن الغناء هو القصد إلى إسماع غيره ليطرب ويتطرب لا ليتعظ ويعتبر ، أما التغني فهو استمتاع المتكلم مما يتكلم به مترنما بالنطق ، مستحبا له مستملحا ، مستطيبا للكلمات ذواقا لها ولمعانيها ، ولننزل من مرتبة القرآن السامية إلى منحدر الشعر ، فإن إنشاد الشعر من الشاعر استمتاع بالألفاظ ، ورنة الموسيقى في الشعر ، يهتز بها مترنما ، يفعل ذلك ولو لم يسمعه أحد ، ولو لم يقصد إلى سماع أحد ، وكذلك المؤمن القارئ للقرآن يتذوق ألفاظه ويدرك الصور البيانية التي تصدر عن أساليبه ، ويخشع لما يشتمل عليه من عظات وعبر ، ويحس بأن اللّه تعالى يخاطبه ، وتعتريه روحانية من الألفاظ ونغمها وجلال معانيها . هذا هو التغني الذي نفهم أنه خاصة من خواص المؤمنين ، ويفعله الصديقون ، وليس منه ما نسمعه الآن من القراء الذين يطربون ، ويرجعون الحروف ، ويلوون بها الألسنة ، فإن هذا غناء وليس مجرد تغنى ، وإن هذا النظر يتلاقى مع بعض الروايات ، فقد روى أبو سعيد الخدري في قوله عليه الصلاة والسلام : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » ، قال : كانت العرب تولع بالغناء والنشيد في أكثر أقوالها ، فلما نزل القرآن أحبوا أن يكون القرآن هجيراهم مكان الغناء فقال عليه الصلاة والسلام : « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » أي يشبع نفسه بحسن ترتيله وتلاوته ليكون هو الذي يستمتع به من كلامهم . وقد روى سفيان بن عيينة عن سعد بن أبي وقاص أن تغنى هنا بمعنى استغنى ، وأن بعض المعاجم يفسر التغني بمعنى الاستغناء ، فقد جاء في الصحاح تغنى الرجل بمعنى استغنى ، فمعنى النص الشريف ، ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن أساطير الأولين ، وأقاصيص القصاصين . وقد أنكر الشافعي تفسير التغني في الحديث بالاستغناء ، وتابعه في ذلك ابن جرير الطبري ، وقال الطبري : إن التغني هو حسن الصوت بالترجيع ، وهذا التفسير يتلاقى مع قولنا الذي أسلفناه ، وهو التمتع بحلاوة الألفاظ القرآنية ، ورنين أساليبها