محمد أبو زهرة

411

المعجزة الكبرى القرآن

مسعود أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « إن للقرآن ظاهرا وباطنا وحدّا ومطلعا » وليس الباطن المذكور في ذلك النص الذي لا يعلمه إلا الأئمة كما يدعى الشيعة ، إنما الباطن هو الإشارات البيانية إلى الحقائق الكونية والنفسية ، وغير ذلك من المعاني التي تدركها العقول ، ويصل إليها العالم ذو البصيرة المنيرة الذي آتاه اللّه تعالى نفاذ عقل واستقامة فكر . 257 - والغزالي يقول : المعنى الذي يؤخذ من ظواهر الألفاظ العربية ويثبت بعضه من السماع عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم والصحابة هو الطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تقدم العلم ، واطلعوا على ظواهر الكون وكشفوا من خواصه ما كان مجهولا ، ولا سبيل لمعرفة تلك المعاني العميقة إلا بالمعاني الظاهرة المكشوفة . ويقول الغزالي في ذلك ما نصه : « النقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أولا ، ليتقى موضع الغلط ، ثم بعد ذلك يتتبع للتفهم والاستنباط ، واستخراج الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إمكان الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن يدعى البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب ، أو يدعى فهم مقاصد الأتراك من كلامهم ، وهو لا يفهم لغة الترك ، فإن ظاهر التفسير يقتضى تعلم اللغة التي لا بد منها للفهم » . والمعنى الباطن الذي يقصده الغزالي هو تحرى الدقائق التي تكون في مطوى الألفاظ القرآنية ، والأسرار التي لا يدركها إلا العلماء الراسخون في الإسلام ، والعلوم المختلفة ، كل بمقدار طاقته العلمية ، بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإخبار ، وعموم وخصوص ، وإطلاق وتقييد ، وإن ذلك واضح من كلامه وضوحا بينا ، فهو يقول في معاني القرآن : « إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علمهم ، وصفاء قلوبهم وتوافر دواعيهم على التدبر وتجردهم للطلب ، ويكون لكل واحد حد في الترقي من درجة إلى درجة أعلى منها ، فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما ، فأسرار كلمة اللّه عز وجل لا نهاية لها ، فمن هذا الوجه يتقارب الخلق في الفهم ، بعد الاشتراك في معرفة التفسير ، وظاهر التفسير لا يغنى » « 1 » .

--> ( 1 ) إحياء علوم الدين ج 1 ص 263 ، 264 .