محمد أبو زهرة
406
المعجزة الكبرى القرآن
ورابعها - أقوال التابعين في التفسير بتعرف ما قالوه نقلا عن الصحابة . وتتعرف في هذا - السنة بكل طرائقها ، وأن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهو المبلغ للرسالة والمفسر للقرآن لا يمكن أن يترك شيئا من القرآن قابلا للبيان ، ولم يبينه . 252 - هذا منهاج المتوقفين الذين يرون أن تفسير القرآن بالرأي غير جائز ، وإنما يعتمد في بيان القرآن على السمع وحده ، إما عن الرسول أو عن صحابته أو عن تلاميذهم ، وإن الخروج عن هذه الدائرة خلع للربقة ، وتهجم على القرآن الكريم بغير علم ، وإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يترك القرآن من غير بيان . وإن هذا الكلام ينطبق كل الانطباق على الذين لا يعرفون أن السنة بيان للقرآن ولا يأخذون به بل يتركونه . وإن مثلهم في هذا كمثل الذين يعرفون الحكم الشرعي الثابت بالسنة ، ويتركونه نسيا منسيا . وإنه في آيات الأحكام يجب الاتجاه إلى السنة ابتداء ولا يتجه إلى غيرها إلا على ضوء منها وتعرف لمرامى الأحكام ، وغاياتها منها ، وإذا كان ثمة رأى فعلى ضوئها وبقبس من نورها . وإن الذين أخذوا في تفسير القرآن بالرأي في مقابل الذين توقفوا سلكوا مسلك الفقهاء الذين أخذوا بالقياس . إن لم يجدوا في الموضوع نصا ، فهم لا يتركون السنة ، ولكن يأخذون بالرأي إذا لم يجدوا سنة مفسرة ، وهم لا يقتصرون على الأخذ في غير موضع السنة ، بل إنهم عند وجود السنة لا يناقضونها ، ولا يغايرونها ، بل يأخذون بها ويسيرون فيما وراء ما ثبت بالسنة إلى ما تدل عليه الألفاظ من إشارات بيانية ، ويحاولون أن يتعرفوا من وراء ذلك الأسرار البلاغية في القرآن الكريم . ولذلك كان هذا المسلك مسلك الذين حاولوا تعرف إعجاز القرآن ، وعلى رأسهم الإمام جار اللّه الزمخشري ومن قبله كان الإمام الطبري عندما كان يبدي رأيه بعد أن يسرد من الروايات الصحيح والسقيم . والإمام حجة الإسلام الغزالي كان ممن سلكوا ذلك المنهاج ، وأثبت بالأدلة العلمية أن التفسير بالرأي من غير مناقضة للسنة ، جائز ، ويستدل على ذلك : أولا - بأن القرآن فيه كل علوم الدين ، بعضها بطريق الإشارة ، وبعضها بالإجمال ، وبعضها بالتفصيل الذي يفتح الباب للفكر المستقيم ، والاستبصار في حقائقه ، وذلك لا يكفى فيه الوقوف عند ظواهر الآيات ، ولا ظواهر أقوال السلف ، بل لا بد من التعمق من غير تكلف ، واستخراج المعاني ما دامت لا تخالف المأثور ، وهناك أمور وراء المأثور ، يسير المفسر على ضوء المأثور ، ولقد قال عبد اللّه بن