محمد أبو زهرة

407

المعجزة الكبرى القرآن

مسعود : « من أراد علم الأولين والآخرين ، فليتدبر القرآن » وإن ذلك لا يكون بغير التعمق في الفهم ، من غير تكلف ، وتعرف الغايات بالإشارة والمرامى . وثانيا - أن القرآن الكريم فيه بيان صفاته تعالى وأفعاله ، وذكر ذاته القدسية ، وأسمائه الحسنى ، وإن فهم ذلك مع التنزيه عن المشابهة للحوادث يحتاج إلى تدبر وفهم من غير الوقوف عند الظواهر ، وجمع بين المؤتلف ونفى للقول المختلف . ثالثا - أنه قد وردت الآثار تدعو إلى الفهم والتدبر في معاني القرآن ، فقد قال كرم اللّه وجهه : « من فهم القرآن فسر به جمل العلم ، وذلك لا يكون إلا بالتعمق في الفهم » . ورابعا - أن عبارات القرآن الكريم تدعو إلى التعمق في الفهم ، فقد قال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] ويقول مفسرو السلف : إن الحكمة هي فهم القرآن ، وإذا كان اللّه تعالى قد وصف فهم القرآن بأنه خير كثير ، فإنه سبحانه وتعالى يدعو القادر على إدراك هذه الحكمة لينال من علمها خيرا كثيرا . وخامسا - أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، دعا لابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما بالفقه في القرآن ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل » وليس التأويل إلا التفسير العميق الذي يتعرف به القارئ ما وراء العبادات من معان دقيقة عميقة ، ولو كان كل علم التفسير مأثورا عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لقال عليه الصلاة والسلام : « اللهم علمه التأويل » . وإن الغزالي لا يكتفى بسوق ما تؤدى إليه الأدلة من جواز التفسير بالرأي ، بل يتجاوز فيقول : إن المأثور من التفسير بالسنة قليل لا يشمل القرآن كله ، ويذكر أن ما يؤثر عن الصحابة في التفسير ، إنما هو رأيهم ، وعلينا أن نتبعهم بإحسان ، فنجتهد في تفسير القرآن مثل اجتهادهم من غير معارضة ، ولا مناقضة . ثم إن الصحابة فيما بينهم قد اختلفوا ، وكذلك التابعون من بعدهم واختلافهم دليل على أن بعض هذه الأقوال بالرأي لا محالة ، ويجوز أن يكون بعضها بالسمع ، ولكنه غير معروف ، ولو كان واجبنا أن نختار من أقوالهم عند اختلافهم ، فالاختيار أساسه الترجيح بالرأي بقبول بعضها ورد بعضها ، وذلك في ذاته أشد من الأخذ بالرأي ابتداء ما دام غير معارض للمأثور . 253 - هذا ما ساقه الغزالي من أدلة في جواز الفهم بالرأي الذي لا يعارض السنة ولا يتزيد عليها بما يخالفها . وإن أدلته مستقيمة منتجة لما يقول ، بيد أن قوله أن المأثور عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في التفسير محدود وقليل ، إنما هو في غير الحلال والحرام ، أما ما يتعلق بتفسير القرآن في الحلال والحرام ، فإن ما ورد عن