محمد أبو زهرة
379
المعجزة الكبرى القرآن
قصة يوسف في سورته : 235 - إن المتتبع لقصص الأنبياء في القرآن يجد أنه يتجه إلى بيان دعوة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي يذكر خبره بالتوحيد ، ومنع الإشراك باللّه ، والإصلاح ودفع الفساد ، وكيف لاقى قومه دعوته ، وما احتج به من أدلة وما ساق لهم من براهين ، وأنواع المعجزات المختلفة التي أمد اللّه تعالى بها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم الذي يقص خبره ، وما آل إليه أمر الأقوام الذين دعاهم إلى الهدى وإلى طريق مستقيم فأبوا واستكبروا ، هذا شأن القصص القرآني الذي يسوقه اللّه تعالى في كتابه ، ولكنا نجد ذلك يختلف في قصة نبي اللّه يوسف عليه السلام ، حتى يتوهم القارئ لها أن نبي اللّه يوسف ما كانت له دعوة يدعو إليها ، ولا قوم يخاطبهم حتى تهجم المنحرفون يقولون زورا من القول . ولكن الدارس للسورة الكريمة يجد أنها طراز آخر من القصص . وفيها كشف عن النفس في ناحية من نواحيها ، ودراسة لها في علاقتها بالمجتمع الذي تعيش فيه ، إذ هو يوجهها ، وإن الدارس لها يجد فيها بيانا للأسرة في علاقاتها بعضها ببعض مع علاقة الآباء بالأبناء ، وعلاقة الأبناء بعضهم مع بعض وعلاقات أبناء العلات ، كيف يختصمون وكيف يجتمعون ، وما يؤدى الحسد بين أبناء العلات ؛ بسبب ما تثور به النفوس المئوقة ، وكيف تتصور ما ليس واقعا على أنه واقع . ثم ما يؤدى إليه الاندفاع بدافع الحسد المقيت . ولنبتدئ بإيجاز القول في القصة من أولها : كان يوسف وأخوه الشقيق من أم غير سائر الإخوة ، والأب الحانى يعقوب يرى كل أولاده في منزلة واحدة ، ولكنه بنظره العميق الشفيق يرى في الإخوة الكبار من النظرات إلى الصغيرين ما لا يطمئن به فيعمل على ألا يكون منهما ما يثير ، ويؤجج النظرات الماقتة ، يرى يوسف رؤيا صادقة إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ، فيخشى الأب الحانى أن يورث ذلك عداوة إخوته فينهاه : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً . ولكن الحسد يوهم الكبار أن أباهم يؤثر يوسف وأخاه بمحبته لما يكون من فضل عطف على الصغير من الإيثار : قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ . وهنا يصل الحسد الشيطاني إلى غايته : اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) . ولكن الشر لا يكون موضع إجماع ، فلم يكن إجماع على قتله بل : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) . ارتضى الإخوة ذلك الحل الذي ينزل من القتل إلى إلقائه في الجب وهو صغير لا يعلم مآله ، ولكنهم يحتالون ليأخذوه من