محمد أبو زهرة

380

المعجزة الكبرى القرآن

أبيه برضاه : قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) . ولكن الأب الكريم بإلهام الأبوة يتوجس خيفة على ولده ويخشى عليه السوء . ولكنه يخفى في نفسه سوء الظن بهم . أو لا يكون سوء ظن ، ويذكر أنه يحزن إذا غاب عنه مستوحشا بغيبته ، فيقول : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) . أخذوه ونفذوا ما دبروا وألقوه في غيابة الجب . ولكن نفس يوسف ألهمها اللّه بأنه سيكون الأعلى ، وسينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ، عادوا إلى أبيهم يبكون ، قالوا : إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وأحسوا في أنفسهم بالظنة تعرو أباهم ، فقالوا : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ، ولكن الأب بفراسته وبإلهام الأبوة ما صدقهم . بل قال لهم : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) . 236 - هذه قصة ساقها القرآن الكريم لا لمجرد الاتعاظ والعبر فقط بل فيها كشف عن النفوس يجد فيها الدارس النفسي مكانا للفحص يهديه إليه كتاب اللّه تعالى . ( أ ) فهي أولا : تبين أن علاقة أبناء الأعيان ، وهم الأشقاء لا تماثلها علاقة أبناء العلات وهم الإخوة والأخوات من الأب من غير الأم ، وتصور الغيرة الشديدة التي تكون بين الأبناء ولو كانوا كبارا ما داموا في ميعة الصبا ، وأن هذه الغيرة تدفع إلى الحسد ، والحسد يدفع إلى البغضاء ووراء البغضاء . . الجريمة . ( ب ) وهي أيضا تصور لنا أن الأبوة الشفيقة توحى بالتظنن ، وبالاحتراس ، فقد تظنن نبي اللّه تعالى يعقوب عليه السلام في أن قصّ يوسف على إخوته خبر الرؤيا قد يدفع إلى أن يكيدوا له كيدا ، ولذا أوصاه بألا يخبرهم بها ، وتظنن عندما أرادوا أن يخرجوا به ، ولكنه لم يتمكن من منعه عنهم . وإنه إذ لم يتمكن من منعه عنهم أبدى مخافته من أن يأكله الذئب ، وقد كانت منه هذه الكلمة ، وكأنها كانت توجيها لهم ليبدوا العذر الذي يعتذرون به ، فجاءوا واعتذروا بأن الذئب أكله ، فمن كلامه ابتدعوا قولهم ابتداعا . ( ج ) ولكنهم جاءوا أباهم عشاء يبكون ، فما سر هذا البكاء ؟ ذلك أنهم إذ فعلوا فعلتهم كان فيهم بقية من شفقة فكان هذا البكاء ، كما ندم أحد ابني آدم عندما قتل أخاه . ( د ) وإن يعقوب عليه السلام لم يصدق كل التصديق قولهم ، بل لم يصدق مطلقا ، واستعان بالصبر الجميل ، وهو الصبر من غير أنين ، وجدير أن يكون من النبيين .