محمد أبو زهرة
378
المعجزة الكبرى القرآن
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً . [ المائدة : 27 - 32 ] هذه الآيات البينات فيها كشف عن النفس المؤمنة المطمئنة الراضية وكشف عن النفس الحاسدة الحاقدة : ( أ ) وهي تدل على أمور نفسية تصور مصدر الشر والخير ، فالنفس المؤمنة تعرف الأمور على وجهها وتدرك الحق وما أوجبه ، فهي ترد سبب قبول القربان إلى التقوى والخوف من اللّه . ( ب ) والنفس التقية هي التي تمتلئ بذكر اللّه وتستشعر خوفه دائما ، وأن الاعتداء إنما يكون حيث يختفى الخوف ويظهر الطغيان ، ولذلك علل عدم رد الاعتداء الذي بادره به أخوه بأنه يخاف اللّه رب العالمين ، وأن القتل إنما هو جريمة في حق من خلقهم اللّه تعالى ، وهو ربهم . ( ج ) وتشير الآية إلى أن النفس منطوية على الخير ، وأن الشر عارض لها ، ولذا رد المؤمن التقى قول أخيه وتهديده بالقتل بقوله : ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ، وفي هذا إشارة إلى أن النفس التي لم تدنس بشر ليس من شأنها أن تبسط يدها بالقتل . ( د ) والآيات تدل على أن الحسد هو أساس الاعتداء فلو انخلع من القلوب ما كان شر ولا اعتداء في الأرض . ( ه ) وتدل الآيات أيضا على أن الاعتداء بالأذى ليس هو الأصل بالنفس الإنسانية ، فهو عندما اتجه إلى قتل أخيه عالج نفسه ليحملها على مطاردته في قتله ، ولذا عبر اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله تعالت كلماته : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ لأنه خسر أخاه وخسر نفسه ، فأفسدها . ( و ) وتدل ثالثا على أن رؤية المعتدى عليه ، والاعتداء قائم يبعث على الندم ، والآيات من بعد ذلك تبين أن أساس الكثير من الجرائم هو الحسد ، فلو اجتث من النفوس ما كان اعتداء ، ولكن اللّه تعالى يبلو به الناس ليعلم الخير والشر . ولا شك أن الدارس للنفس الإنسانية يجد في القرآن معينا لا ينضب ، ولو أن الناس عكفوا عليه لوجدوا فيه أعظم مصدر للدراسات النفسية والاجتماعية .