محمد أبو زهرة

377

المعجزة الكبرى القرآن

( ج ) ومن هذه الأمثلة ما قرره اللّه تعالى من أن النفس غير المؤمنة لا تنضبط ، ولا تستقر على حال ، والنعمة تبطرها وتطغيها . والنقمة تؤيسها وتشقيها ، ولا ضبط ولا انضباط ، ولا علاج لذلك إلا بالصبر ، اقرأ قوله تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) [ هود : 9 - 11 ] . وإن هذه الآية الكريمة تشير إلى أن ذلك الفرح الطاغي في حالة ، واليأس المميت في وقته مرض إنساني ، وأن علاجه الصبر ، لأن الصبر ضبط النفس ، فلا تنزعج للألم ، ولا تطغى بالنعم . ( د ) ولقد بين اللّه تعالى أن سلوك غير الحق هو اتباع للظن غير الناشئ عن دليل ، بل عن الهوى ، وقد قال تعالى في ذلك : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) [ النجم : 27 ، 28 ] . فهذا النص الكريم يبين مرض النفس التي تضل ، ويذهب بها الضلال إلى متاهات من الباطل ، وذلك المرض هو الوهم ، فهم يتوهمون ثم يهوون ثم يظنون ، وليس عندهم دليل يكون علما ، بل عندهم أوهام وظنون ، وإن دارس علم النفس التربوي يجد فيه بابا من أبواب التربية العقلية بأن يباعد بين الناشئة والأوهام . ( ه ) ومن الأمثلة لبيان أحوال النفوس ، بيان أحوال النفوس التي لا تفكر إلا في دائرة نفعها أو ضرها ، ومن شأن هذه النفوس أن تكون أثرة متقلبة ، لا تذعن للحق ولكن تذعن لنفعها وضررها . اقرأ قوله تعالى : وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) . [ يونس : 12 ] وهذا تصوير للنفس التي فقدت الإيمان ، وحرمت الخير ، ولا تفكر إلا في محيطها ، وهي بلا ريب غير الذين قال اللّه تعالى فيهم : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] . ( و ) ولنكرر مثلا ذكرناه فيما تلونا من قبل ، ونذكره هنا من ناحية البيان النفسي ، وهو مثل ولدى آدم ، فاللّه تعالى يقول : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 )