محمد أبو زهرة

376

المعجزة الكبرى القرآن

( أ ) من هذه الأمثلة أن النفس التي تسارع إلى الاعتقاد من غير دليل سابق ، ولا فحص لقول لا حق من شأنها أن تقع في الخطأ . وإذا أصرت بعد البيان كانت في ضلال . أصابها الصمم عن الحقائق . والعماء عنها : اقرأ قوله تعالى : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ( 102 ) [ الأعراف : 101 ، 102 ] . إن الذي وهبه اللّه الهداية لفهم القرآن الكريم بعباراته وإشاراته تبدو بين يديه الحقيقتان الآتيتان : أولاهما - أنه سبحانه وتعالى يقرر أنه ليس من شأن الذين سارعوا إلى التكذيب من غير أن يفحصوا ويدرسوا - أن يؤمنوا ، لأن الإيمان يقتضى قلبا مذعنا لما يأتي به الدليل ، لا أن يكون سابقا بالحكم قبل الدليل ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك بقوله تعالت كلماته : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ وواضح أن العلة في سد باب الإيمان هو مسارعتهم بالتكذيب من غير برهان ، ومن يكذب بالبرهان لا يؤمن بما جاء به البرهان . الحقيقة الثانية - أن المسارعة بالتكذيب تؤدى إلى تغليق القلب عن أن يصل إليه النور . وبتوالي التكذيب من غير دراسة للأدلة يكون منع الهداية ، ولذلك يقول اللّه تعالى : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ [ الأعراف : 101 ] أي بهذه الحال ومثلها يطبع اللّه تعالى على قلوب الكافرين ، ويتحقق فيهم قول اللّه تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] . ( ب ) ولننتقل إلى مثل آخر من كتاب اللّه ، وإنه المعين الذي لا ينفد في دراسة النفس الإنسانية ، ذلك المثل هو قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [ آل عمران : 155 ] . فهذا النص الكريم يبين لنا قاعدة في النفس يسترشد بها المربى والمهذب ، والذي حاول معالجة النفوس المريضة ، إذ يعرف سبب المرض فيطب له . إذ يبين اللّه سبحانه وتعالى ، أن الذين أعرضوا عن الوقوف يوم التقى الجمعان ، سبب توليهم أنهم أصابتهم ذنوب ، وأن الذنب يسهل الذنب ، والمخالفة تجر المخالفة ، وأنه لأجل الطب لهم لا بد أن يعالج الذنب الأول بالحمل على الإقلاع عنه ، وقد يكون ظهور مغبته السيئة علاجا له ، ولذلك قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ، لأنهم أدركوا سوء ما كان لهم .