محمد أبو زهرة
332
المعجزة الكبرى القرآن
البكر ، دون غيره ، ولم يجعل التركة كلها للأولاد دون الآباء ، ولم يجعل يد المورث مطلقة يختص بتركته من يشاء ، ويحرم من يشاء ، بل جعل نظام الميراث إجباريا في ثلثي التركة ، ووزع الثلثين من التركة ، بين عدد من الورثة ، والصورة التي يختص بالتركة فيها واحد فقط نادرة ، وهي تكون حيث يقل الأقارب ، وفي هذه الحال تكون ثمة وصية للأقارب غير الوارثين ، على ما سنبين في الوصية إن شاء اللّه تعالى . وإذا انتقل الميراث إلى الحواشى كالإخوة والأخوات ، والأعمام ، يوزع بينهم من غير أن يستبد بعضهم بالميراث كله ، بل من غير أن تستبد قرابة دون قرابة ، فإذا كان هناك أشقاء وإخوة لأم كان الميراث للجميع ويكون للإخوة الثلث . وهكذا نجد الميراث في القرآن الكريم ، وفي بيان السنة للقرآن وتطبيقه ، نجد الميراث يتوزع ولا يتجمع ، وإن التجمع في وارث واحد يكون فيه بلا ريب ظلم للباقين ، ولا يكون المال دولة بين ناس من الأسرة ، والآخرون محرومون محدودون ، بل لا يكون المال في الأمة كلها دولة بين الأغنياء ، والحرمان للباقين . 202 - إن من المقررات الشرعية أن الميراث يدخل ملكية الوارث في الثلثين جبرا عنه ، وبغير إرادة المورث ، بل بإرادة اللّه سبحانه وتعالى ، ويسمى التوريث الخلافة الإجبارية ، وهي تكون في ثلثي التركة ، ويقولون أيضا أن الثلث يكون للوصية ، وقد فرض القرآن الوصية ، بل إن صيغته في التحريض كانت صيغة إيجاب ، فقد قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ( 180 ) الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ( 181 ) عَلِيمٌ فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ( 182 ) [ البقرة : 180 - 182 ] وإن هذا النص يستفاد منه جواز الوصية ، بل وجوبها عندما تكون في موضع بر بأن تكون في الأقربين ، فهي سد لما عساه يكون في توزيع الميراث من حرمان بعض ضعفاء الأقارب من الميراث ، إذا لم يكونوا في نظام التوزيع ، فهي في وضعها بجواز الميراث تكميل لأحكامه . فقد تكون الأخت الفقيرة لا يصل إليها الميراث لوجود الأبناء ، فكانت الوصية التي كتبها اللّه تعالى في الثلث سدا لخلتها . وإنه بمقتضى هذا النص تكون الوصية واجبة لفقراء الأقارب غير الوارثين ، وذكر الوالدين لأنهما قد يكونان غير وارثين ، لاختلاف الدين ، كما كان الأمر في صدر الإسلام ، إذ كان الرجل يكون مشركا والمرأة كذلك ، وولدهما قد هداه اللّه تعالى إلى الإسلام ، فيكون عليه أن يوصى لهما ، لأن ذلك من الإحسان ، والمصاحبة لهما