محمد أبو زهرة
331
المعجزة الكبرى القرآن
تكريم الأمومة ، وقرابتها جعل لأولاد الأم ميراثا لا يقل عن السدس ، ولا يزيد على الثلث ، وجعلهم يستحقونه بوصف أنهم كلالة ، أي لا يوجد ميراث بأصول وفروع ، ومع ذلك جعلهم يرثون مع وجود الأم . ثانيا : أن يكون الميراث للأقرب فالأقرب ، لأن العبرة في استحقاق الميراث أن يكون لمن يعد وجودهم امتدادا لحياة المتوفى في الوجود ، ولذلك كان أكبر الأسرة حظا في الميراث الأولاد ، وأولادهم الذين ينتسبون إليه . ومع أنهم أكثر الأسرة حظا في الميراث لا ينفردون به ، بل يشاركهم فيه الأبوان والزوجان ، وإنهم ليشاركونهم بمقدار قد يصل إلى النصف أو إلى قريب منه . وأن مشاركة غيرهم إنما هي لمنع تركيز المال في ورثة بأعيانهم ، فالأبوان إذ يأخذان مع الأولاد الثلث يكون من بعدهما لأولادهما ، وهم غالبا إخوة المتوفى فيكون الاشتراك في المال بدل الانفراد ، وإذا لم يكن أب فقد يأخذ إخوة مع الأولاد إن كانوا إناثا . وبذلك يتبين أن كون الميراث للأقرب لا يمكنه من الاستئثار بالتركة وحده . والثالث : مما يلاحظ في الميراث مقدار الحاجة ، فكلما كانت الحاجة أشد كان قدر الميراث أكبر ، ولعل ذلك هو السر في أن نصيب الأولاد كان أكبر من نصيب الأبوين مع أنه من المقرر شرعا أن للأبوين في مال أولادهما نوع ملك ، كما ورد في الحديث « أنت ومالك لأبيك » ، ولكن حاجة الأولاد إلى المال أشد لأنهم في غالب الأحوال ذرية ضعاف يستقبلون الحياة ، ولها تكليفاتها المالية ، والأبوان يستدبران الحياة ولهم فضل من المال ، فحاجتهما إلى المال ليست كحاجة الذرية الضعاف ، وفوق ذلك أن ما يرثانه يكون لأولادهما ولا يكون منه لهذه الذرية الضعاف . وإن ملاحظة الأكثر احتياجا هي التي جعلت نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى ؛ وذلك لأن التكليفات المالية على الذكور ، وتكليفات الرجل المالية أكثر من تكليفات المرأة ، فهو المطالب بنفقة المرأة نفسها ، وهو المطالب بنفقة الأولاد ، وإصلاح حالهم وهو الذي يمد الأسرة بكل حاجاتهم ، وإن الفطرة الإنسانية هي التي جعلت المرأة قوامة على البيت ، والرجل كادحا عاملا لتوفير القوت . فكانت قاعدة أن العطاء في الميراث على قدر الحاجة موجبة لجعل حق الرجل أكبر من حق المرأة ، فالأخ يحتاج إلى المال أكثر من أخته ، وإن ملاحظة الحاجة هي العدل ، والمساواة عند تفاوت الحاجة هي الظلم ، فأولئك الذين يطالبون بمساواة المرأة في الميراث مع الرجل لا يطلبون المساواة العادلة . والرابع : أن الشارع الإسلامي كما لاحظنا في ميراث الأولاد اتجه إلى التوزيع بين الأقارب بدل التجميع ، فهو لم يجعل وارثا يستبد بالتركة كلها ، لم يجعل الميراث للولد