محمد أبو زهرة

31

المعجزة الكبرى القرآن

ولكن لما ذا خلا من ذلك ؟ والجواب عن ذلك أن القرآن له قراءات مختلفة هي سبع قراءات ، وليست هي الحروف كما ذكرنا من قبل ، ولكي يكون المكتوب محتملا لهذه القراءات المروية بطرق متواترة كلها كان لا بد أن يكون غير منقوط ولا مشكول ، كما ذكرنا في اختلاف القراءة في ( أنفسكم ) وكما ذكرنا في اختلاف القراءة في ( فتبينوا ) ، وما كان يمكن أن يحتمل النص القراءتين إذا كان منقوطا ومشكولا . ومن جهة أخرى أن الأساس في تواتر القرآن هو الحفظ في الصدور لا في السطور ، حتى لا يعتريه المحو والإثبات ، فلو كان القرآن منقوطا ومشكولا لاستغنى طالب القرآن عن أن يقرئه مقرئ ، فلا يكون التواتر الصحيح الذي يقتضى الإجازة ممن أقرأه ، ولقد جاء التحريف في الكتب الأخرى لاعتمادها على المكتوب في السطور لا المحفوظ في الصدور . ومن جهة ثالثة أن ترتيل القرآن ، كما أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا بد منه كما قال تعالى : وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] ، وأن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن يقرأ على مقرئ يجيزه حفظا وقراءة وترتيلا . 17 - وإن الرواية الصحيحة بينة مستقيمة لا مجال للشك فيها ، وهي تدل على أمور ثلاثة قطعية في ثبوتها وهي : أولا : على أن النص الذي كان عند حفصة هو النص المكتوب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ذاته النص المكتوب في مصحف عثمان رضى اللّه عنه ، فلا يصح الزيادة عليه ولا يصح النقص . ثانيا : على أن القرآن كتب بلغة قريش ، وهي الحرف الذي استقرت القراءة عليه ، وما كان الترخيص بالقراءة بالحروف الأخرى إلا مؤقتا حتى تطوع الألسنة لحرف قريش ، ولقد جاء في القرطبي : « إن القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب واللّه أعلم ؛ لأن غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات من تحقيق الهمزة ونحوها ، وقريش لا تهمز » . ومؤدى هذا الكلام أن الألفاظ والأساليب والمنهج القرآني أنزل على لغة قريش ، ولكن الحركات التي تعترى بنية الكلمة من همز أو إمالة أو نحو ذلك جاء على لهجات من غير قريش ورويت كلها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ثالثا : أن مصحف عثمان رضى اللّه تبارك وتعالى عنه يجب أن تكون كل قراءة قرآنية متفقة مع نصه ، وأن الشك فيه كفر ، وأن الزيادة عليه لا تجوز ، وإنه القرآن المتواتر الخالد إلى يوم القيامة .