محمد أبو زهرة

32

المعجزة الكبرى القرآن

18 - إذا كانت هذه حقائق ثابتة تواترت في الأجيال ، فلما ذا كانت الروايات الغريبة البعيدة عن معنى تواتر القرآن الكريم التي احتوتها بطون بعض الكتب كالبرهان للزركشى ، والإتقان للسيوطي التي تجمع كما تجمع حاطب ليل يجمع الحطب والأفاعي مع أن القرآن كالبناء الشامخ الأملس الذي لا يعلق به غبار ؟ قد أجاب عن ذلك الكاتب الكبير المسلم المرحوم مصطفى صادق الرافعي « 1 » ، فقال في كتابه إعجاز القرآن : « ونحن ما رأينا الروايات تختلف في شئ من الأشياء فضل اختلاف ، وتتسم في الرد والتأويل كل طريق وعر ، كما رأينا من أمرها فيما عدا نصوص ألفاظ القرآن ، فإن هذه الألفاظ متواترة إجماعا ، لا يتدارأ فيها الرواة من علا منهم ومن نزل ، إنما كان ذلك لأن القرآن أصل الدين ، وما اختلفوا فيه إلا من بعد اتساع الفتن ، وحين تألب الأحداث ، وحين رجع بعض الناس من النفاق إلى أشد من الأعرابية الأولى ، وزاغ أكثرهم عن موقع اليقين من نفسه فاجترءوا على حدود اللّه تعالى ، وضربتهم الفتن ، والشبهات ، مقبلا بمدبر ، ومدبرا بمقبل ، فصار كل من نزع إلى الخلاف يريد أن يجد من القرآن ما يختلف معه ، أو يختلف به ، وهيهات ذلك ، إلا أن يتدسس في الرواية بمكروه يكون معه التأويل والأباطيل ، وإلا أن يفتح الكلمة السيئة ، ويبالغ في الحمل على ذمته ، والعنف بها في أشياء لا ترد إلى اللّه ولا إلى الرسول ، ولا يعرفها الذين يستنبطون من الحق ، بل لا يعرفون لها في الحق وجها . . ونحسب أن أكثر هذا مما افترته الملحدة ، وتزيدت به الفئة الغالية ، وهم فرق كثيرة يختلفون فيه بغيا بينهم ، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه ، ويرى فيه حجته على مذهبه ، وبينته على دعواه ، ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم بالحق والباطل ، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميزون ، أو ممن تعارضهم الغفلة في التمييز . . وذلك سواد كله ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور » « 2 » . وإن ذلك الذي ذكره الكاتب الإسلامي الكبير حق لا ريب فيه ، فإن هذه الروايات التي جمعها من لا يفرق بين الحابل والنابل ، وبين الحطب والأفعى ، إنما كانت بعد الفتن ، ولعل للإسرائيليات دورها الخفي المسموم وأن الذين تولوها غلاة الفرق ، والرواة الذين لا يميزون أو يغفلون ما لا يدركون . ألم تر إلى أولئك الغلاة يطعنون في عثمان رضى اللّه عنه ، ويجعلون من أسباب الطعن ، أنه جمع المصحف وجعل له إماما ، عندما رأى الاختلاف قد تفاقم ، وأنه جمعهم على ما كتب في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) توفى سنة 1937 م . ( 2 ) إعجاز القرآن للرافعي ص 42 .