محمد أبو زهرة

275

المعجزة الكبرى القرآن

كيف ابتدأ خلق الإنسان من طين ، ثم جاءته الأطوار المختلفة حتى آل إلى القبر ثم كيف خلق الأحياء في الأرض من نبات وحيوان واهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ، وإن كل ذلك دليل على قدرة المنشئ علام الغيوب ، بديع السماوات والأرض ، وأنه على ما يشاء قدير . وإن هذا النسق البياني قرب فيه البعيد ، وسهل على الأفهام دخوله واللّه على كل شئ قدير . واقرأ في هذا النوع من الاستدلال قوله تعالى : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ( 80 ) أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) . [ يس : 78 - 81 ] وتجد في الآيات الكريمات عقد المشابهة بين ابتداء الخلق وإعادته في أبلغ تعبير وأسلم تقرير ، وإن في هذه الأمثلة وغيرها مما اشتمل عليه القرآن الكريم قياس ما في الغيب على المشاهد ، وقياس ما بينه اللّه تعالى ، وأوجب الإيمان به على ما هو واقع مرئى مشاهد ، فيه الدلالة الكاملة على قدرة اللّه تعالى ، وأنه المالك لما هو واقع ، والقادر على ما لم يقع الآن ، وسيقع ، كما وعد ، ووعده لا يتخلف . 159 - هذا ، ويلاحظ القارئ للقرآن التالي لآياته ، المتبصر في عبره وعظاته ، والدارس لأدلته - أن جدل القرآن لا يتجه إلى مجرد الإفحام والإلزام ، بل يتجه في الكثير الغالب إلى إرشاد القارئين والمدركين ، والأخذ بأيديهم إلى الحق ، وتوجيه النظر إلى الحقائق ، وما في الكون من دلائل على القدرة ، كما ترى في قوله تعالى : أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) [ ق : 6 - 11 ] . فترى في هذه الآيات أن البيان فيها ليس مجرد إفحام الوثنيين ومنكري التوحيد ، بل فيه توجيه إلى الكون ، وما فيه من دلائل القدرة ، وعجائب الصنع وما فيه من سماء زينت ببروجها ونجومها ، والأرض وما فيها من رواسي : كأنها تمسكها أن تميد ، وما فيها من نبات يحصد في إبانه ، وجنات تونع وتثمر في وقتها .