محمد أبو زهرة

276

المعجزة الكبرى القرآن

واقرأ قوله تعالى في سورة الرحمن : الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ ( 5 ) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ ( 6 ) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ( 8 ) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) . إلى آخر السورة الكريمة . وفي هذا ترى الاستدلال القوى متجها إلى الإرشاد إلى ما في الكون ، وما أنعم اللّه به على الإنسان من علم بما لم يكن يعلم وما علمه من الشمس والقمر ، وما علمه من معاملات كريمة ، وتعاون إنساني مبنى على الفضيلة ، وعلمه كيف خلق الإنسان ، وهكذا من استدلال حكيم ، وإرشاد وتوجيه وتعلم . وإنه إذا اتجه القرآن الكريم إلى الإلزام والإفحام ، لا يلبث أن يأخذ بيد المعاند إلى الحقيقة يبينها واضحة جلية لا ريب فيها ، كما ترى في قوله تعالى رادا على المشركين طلبهم أن يكون الرسول ملكا : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام : 8 ، 9 ] . فإنك ترى أن في ذلك إفحاما لهم من ناحيتين : الناحية الأولى أنهم لو أجيبوا إلى ما يطلبون لقضى عليهم ما هددهم اللّه تعالى به ، ولا ينظرون ، والثانية أنه لا يزول اللبس الذي يلبسون به الحق بالباطل لأنه لو جعله اللّه تعالى ملكا لجعله في صورة رجل ، وبذلك يجيء الالتباس الذي لبس به عليهم . ومن الاستدلال المفحم الهادي قوله تعالى في الرد على اليهود ووصفهم : الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) [ آل عمران : 183 ] . وكما ترى في قوله تعالى ردا على الذين ينكرون الرسالات الإلهية ، فقد قال تعالت كلماته : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ [ الأنعام : 91 ] ويظهر أن الذين قالوا هذا القول من اليهود ، قالوه لينكروا رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وفي هذه الآيات التي تلوناها ترى الإلزام المفحم ، والحجة البالغة ، والفيصل الفارق بين الحق والباطل ، قد أدحضت به حجة الخصوم وأرشدوا إلى المحجة ،