محمد أبو زهرة
268
المعجزة الكبرى القرآن
كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ [ الأنبياء : 30 ] اقرأ هذا وارجع البصر فيها كرتين ، ألا ترى فيها توجيه الأذهان إلى عظيم قدرة اللّه تعالى وقوة سلطانه على الوجود كله ، وبين سبحانه كيف اخترع وأبدع على غير مثال سبق ، ويثبت بذلك أنه وحده الأحق بالعبادة ، وأن القارئ للقرآن من دهماء الناس يرى فيها علما بما لم يكن يعلم ، قد أدركه بأسهل بيان وأبلغه ، ويرى فيها العالم الفيلسوف الباحث في نشأة الكون دقة العلم وإحكامه ، وموافقة ما وصل إليه العقل البشرى لما جاء بذلك النص الكريم مع سمو البيان وعلو الدليل فتبارك الذي أنزل القرآن . واقرأ قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) [ المؤمنون : 12 - 16 ] إلى آخر الآيات الكريمات . ثم تدبر هذه الآيات البينات تجد أن الأمى يستفيد منها علما غزيرا فوق أنه يعرف منها أن اللّه سبحانه وتعالى سيبعث الناس يوم القيامة ، فيزداد إيمانا ، كما علم ما لم يكن يعلم ، ويقرؤها العالم بدقائق تكوين الإنسان والدارس للحيوان جرثومة فجنينا ، فحيوانا على ظهر الأرض حيا ، فيرى فيها دقة العلم والتكوين ، وصدق الحكاية ، حتى لقد قرأها بعض كبار الأطباء في أوروبا فاعتقد أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أعظم طبيب رأته الأجيال السابقة ، فلما علم أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب آمن بأن هذا من علم اللّه تعالى بارئ النسم . وهكذا يرى القارئ لكتاب اللّه تعالى ، وما فيه من أدلة أنه قريب من الأمى يفهمه ويعرفه ، ويعلم منه علم ما لم يكن علم ، يدرك منه ما يناسب معرفته ، ويسمو إليه إدراكه ، وما يدركه منه صدق يقيني لا شبهة فيه . ويرى فيه العالم الباحث حقائق صادقة ما وصل إليها البحث العلمي الحديث إلا بعد تجارب ، ومجهودات عقلية ، وكلما ازداد المتأمل المتبصر في الآيات التي تتعلق بالكون ازداد استبصارا ، ورأى علما أسمى مما يدركه الإنسان بتجاربه ، وأعلى مما يهتدى إليه الإنسان بعقله المجرد .