محمد أبو زهرة

269

المعجزة الكبرى القرآن

مسلك القرآن في سوق الأدلة 153 - قد شرحنا من قبل الأدلة الخطابية والبرهانية والجدلية ، وقد أشرنا إلى أن أسلوب القرآن فوق هذا ، والآن نوضح ما أشرنا إليه من قبل فنذكر بالعبارة الواضحة ، ما ذكرناه بالإشارة اللائحة . إن أسلوب القرآن أسمى من الخطابة ، وأسمى من منطق أرسطو ، ومن لف لفه ، تراه قد اعتمد في مسالكه على الأمر المحسوس أو الأمور البدهية التي لا يمترى فيها عاقل ، وليس فيه قيد من قيود الأشكال المنطقية من غير أن يخل بدقة التصوير ، وقوة الاستدلال ، وصدق كل ما اشتمل عليه من مقدمات ونتائج مع أحكام العقل . وإنك لترى بعض أوصاف الأسلوب الخطابي ، قد أتى فيها بالمثل الكامل فيه ، وهو أعلى من أن يوصف بأنه جاء على منهاج من مناهج الخطابة ، وفيه تصريف القول الذي يلقى بجدة في نفس القارئ والسامع ، فتصريف فنون القول من إيجاز غير مخل ، وحذف كلمات أعلن الأسلوب وجودها ، وغزارة في المعاني مع قلة في الألفاظ وإطناب مبين ، بحيث لو حذفت كلمة لاختل بنيان القول ، إذ إن الكلام القرآني بعضه مع بعض كالبنيان النوراني المرصوص ، ولكل كلمة إشعاع مشرق فيه بحيث لو لم تكن ، يكون جزءا ناقصا من الأطياف للآيات القرآنية . ثم من قصص حوى أقوى الأدلة في ذات القصة وما حوت ، وفي الأدلة التي سيقت في بيان الأنبياء السابقين لرسالاتهم ، ومجادلة المخالفين والمناوئين . ومهما يكن من قول في استدلالات القرآن الكريم ، فإن له مناهج في الاستدلال تعلو على براهين المناطقة ، والأخيلة المثيرة للإقناع ، والأدلة الخطابية . 154 - ونستطيع أن نذكر بعض مناحى القرآن في الاستدلال من غير إحصاء ، بل نذكر بعضها ، وبعضها ينبئ عن غيره . ومن ذلك الأقيسة الإضمارية ، وهي الأقيسة التي تحذف فيها إحدى المقدمات ، مع وجود ما ينبئ عن المحذوف ، فهو محذوف معلوم مطوى في الكلام منوى فيه . وهذا الحذف يكثر في الاستدلال الخطابي ، بل يقول ابن سينا في الشفاء : « الخطابة معولة على الضمير والتمثيل ، والضمير هو القياس الإضمارى ، والتمثيل هو إلحاق أمر بأمر لجامع بينهما » ويسمى في عرف الفقهاء ، قياسا فقهيا ، بينما هو في عرف المناطقة تمثيل ، لأن فيه مشابهة بين أمرين . وقد يقول قائل : إنك قررت أن القرآن أعلى في إقناعه واستدلاله من الخطابة والمنطق والشعر ، ومع ذلك تقرر أنه ينهج منهاج الخطابة في الاستدلال ! .